المصدر الميمي
للمصدر الميمي دلالةٌ مغايرةٌ تختلف عن المصادر الأخرى، وقبل أن نعرف ذلك لا بد لنا أولًا من معرفة كيفية صياغته، فالمصدر الميمي يُصاغ من الثلاثي على زنة (مَفْعَل) بفتح العين، فإن كان فعله مثالًا ـوهو ما كانت فاؤه حرف علة ـ صحيح اللام، تحذف فاؤه في مضارعه، فمصدره الميمي مصوغُ على زنة (مَفْعِل) بكسر العين، وكذلك إن كانت عين مضارعه مكسورة، فإنه يصاغ على (مَفْعِل) ،ومن أمثلته (مدخَل ومخرَج وموعِد ومجلِس) فهذه الأمثلة مصوغةٌ من (دخل وخرج ووعد وجلس) ، أما إن كان الفعل غير ثلاثي فإنك تصوغ المصدر الميمي منه على زنةِ اسم مفعوله، ومن أمثلته (المنطلق والمستخرج والمنقلَب) فإنها مصوغة من انطلق واستخرج وانقلب.
أما دلالته فإن النحاة لا يرون فرقًا بينه وبين المصدر الأصلي للفعل، فهم لا يرون فرقًا بين مجلس وجلوس، ولا بين مقعد وقعود. وعند التأمل تلحظ أن المصدر الميمي يتضمن حدثًا كما تضمنه غيره من المصادر الأصلية للأفعال، بيد أنه يزيد عليها في دلالته على الذات في جانب دلالته على الحدث الذي يشاركه فيه غيره من المصادر، إن كلمة (مُنقلَب) في قوله تعالى:"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون"لا تطابق (انقلاب) ، فالانقلاب حدثٌ مجرد، والمنقلب يحمل معه ذاتًا، والمساق في قوله تعالى:"إلى ربك يومئذٍ المساق"يختلف عن قولنا (إليه السوق) ، فالمساق يحمل معه ذاتًا تُساق بخلاف السوق الذي يدل على مجرد الحدث وهو السوق.
وهناك دلالةٌ تُشم رائحتها عند التعبير بالمصادر الميمية دون غيرها من المصادر الأصلية للأفعال، فإن المصادر الميمية مشعرةٌ بالنهاية لما تضمنته من معانٍ، فعندما نقرأ قول الله ـ عز وجل ـ:"إليه أدعو وإليه مآب"نجد أن (مآب) مشعرةٌ بنهاية الأوب، بخلاف (الإياب) الذي يدل على مجرد الرجوع دون إشعارٍ بمنتهاه. ومثله المنقلب والانقلاب فإن المنقلب يعني خاتمة الأمر وعاقبته أما الانقلاب فإنه يعني مجرد التغير، يقول تعالى:"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون"أي: عاقبة أمرهم ونهايتهم.
والمتأمل في استعمال العرب له يجد أنها تستعمله في نادر كلامها، فنجدهم لم يوقعوه موقع الحال ـ مثلًاـ فهم يقولون: (أقبل زحْفًا) ولم يقولوا: (مَزْحَفًا) ، وكذلك قالوا: (جاء سعيًا) ولم يقولوا: (جاء مسعى) ، وتقول: (جاء طوعًا) ولم يقولوا: (جاء مطاعًا) .
وكذلك لم يوقعوه موقع المفعول لأجله، فقد قالوا: (فعلتُ هذا رأفةً بك) ولم تقل: (مرأفًا بك) .
فدل ذلك على أن هذين المصدرين متغايران وليسا متطابقين والله أعلم.