أما التغيير عبر ثورة الجماهير وتظاهراته العارمة في وجه الطغاة فقد تحقق في غضون أسابيع معدودات؛ تغيير نظام طاغية تونس وهروبه! وخلع طاغية مصر وسجنه!
في حين لم تستطع كل أحزاب الدنيا ومن صدعونا بقبول المنظومة الديمقراطية! تغيير حاكم وإقالته عن سدة الحكم! وصدق مثلنا العربي: "لا يفل الحديد إلا الحديد!
أما بيع الأوهام للناس من خلال الصناديق! فهي وسيلة من ران على قلوبهم حب الدنيا وكراهية الأمر بالمعروف والنهي يتصورُ البعضُ أنّ مسايرةَ الغرب في فكرة الديمقراطية في هذا الوقت بالذات أمرٌ ضروري ولازمٌ، إذ أن التغيير من داخل العالم الإسلامي أمرٌ ميئوس منه، وأن مسألة التوافق مع الديمقراطية هي أمرٌ شكلي وأنها مجرد وسيلة لارتقاء سلم الصعود إلى السلطة، ويتساءل هؤلاء: ما الضَّيْر في استعمال أهداف الغرب لتحقيق مآرب نبيلة؟
استند الباحثون الإسلاميون والشرعيون منهم بصفة خاصة في مناقشتهم لهذه القضية إلى ما يأتي:
أولا: أن الذين يدعون إلى مسايرة الغرب في الديموقراطية يغفلون حقيقة أنّ الغرب ليس بساذجٍ ليخدعوه بمثل تلك الانحناءات، بل إن الغرب يستعملهم وهو يعي نواياهم تمامًا، وهو إنما يريد منهم إنفاذ مهمات محددة، وينتهي دورهم فور إنجازهم إياها، ولذلك فإنهم على رغم ادعائهم عدم مصادمتهم للغرب وقبولهم بقيمه وتسليمهم بديمقراطيته فإنه لا يثق بهم، وإنما يمتطيهم طالما أنهم يخدمون أهدافه الثقافية والفكرية بما لهم من وزنٍ لدى عامة الناس، وهو يدرك براجمياتهم وطريقة تفكيرهم، وهى السبل التي يعتبر الغرب فيها نفسه أكثر خبرة ودهاء في استعمالها، لأنها صنعته الخالصة.
ثانيا: أن الغرب يتعامل أيضا مع الديموقراطية على أنها وسيلة للوصول إلى أهدافه وليست هدفا مقصودا لذاته، وأن الفرق بين الهدف والوسيلة أمر نسبي لأن الوسيلة قد تتحول إلى هدف عندما تكون ضرورية فكأنها تصبح جزءا من الهدف وهذا ما حدث بالفعل مع دعاة الديموقراطية.
ثالثا: إنه من المعلوم أن مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" لا يعرف في دين الإسلام وإنما هو المبدأ الذي اشتهر به نيكولا ميكيافيلي (1469 - 1527 م) ، والذي يرى فيه بأن الهدف النبيل السامي يضفي صفة المشروعية لجميع السبل والوسائل التي تؤهل الوصول لهذا الهدف مهما كانت قاسية أو ظالمة، فهو لا ينظر لمدى أخلاقية الوسيلة المتبعة لتحقيق الهدف، وإنما إلى مدى ملائمة هذه الوسيلة لتحقيق هذا الهدف وكان هذا المبدأ هو ما استند عليه في أغلب نصائحه في كتاب الأمير (ميكيافيلي، الغاية تبرر الوسيلة) .
رابعا: أنه لا يشرع في الإسلام من الوسائل إلا ما كان مباحا في نفسه أو عرضت له الإباحة، وهذا الأمر منتف في الديمقراطية لأنها غير مباحة في نفسها، وتعلق بها من الوصف ما يمنعها من أن تعرض لها الإباحة وهو وصف "الشركية"؛ فالشرك لا يباح إلا للإكراه المُلجئ.
خامسا: أن الذين يريدون أن يجعلوا من هذه الديمقراطية وسيلة لنصرة دين الله يسيئون إليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون:
أ- يسيئون إليه أولا لأنهم يحاولون نصرة دين الله بما يناقضه شكلا ومضمونا.
ب- يسيئون إليه ثانيا لأنهم يريدون نصرة دين الله بما فيه معصية الله ويتقربون إلى الله بما يباعدهم من الله فكان حالهم كمن يريد إزالة النجاسة بالبول.
سادسا: أنه إذا جاز تحكيم الشعب من أجل الوصول إلى السلطة فقد جاز أن يكون الزنا وسيلة إلى السلطة .. وجاز أن يكون الربا وسيلة إلى السلطة .. وجاز استخدام السحر والسيميا والكيميا، وعلوم الشر كلها كوسيلة إلى السلطة .. ؟ وهذه الأمور كلها ليست أشد حرمة من تحكيم الشعب.
سابعا: اعتبر الباحثون الإسلاميون أن شعار "مرجعيتنا إسلامية وخيارنا ديموقراطي" شعار فاسد لللأسباب التالية: