الحقيقة أن عرف الشرع أكثر من استخدام العموم والاحتجاج بالعموم ولكن لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نعطل دلالة العموم على سائر أفراده ولا يجوز لنا كذلك ألا يكون اللفظ العام حجة حتى نبحث له عن مخصص فاللفظ العام حجة فإن وجدنا المخصص خصصناه و إن لم نجد المخصص بقي على حاله .
هنالك كلام بديع جدا لشيخ الإسلام أومأ فيه إلى الطعن في أثر ابن عباس ولم ينسبه إليه فقال في
مجموع الفتاوى ج: 6 ص: 441 - 442
وأما من سلم أن العموم ثابت وانه حجة وقال هو ضعيف أو اكثر العمومات مخصوصة وانه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات فيقال له أولا: هذا سؤال لا توجيه له فان هذا القدر الذي ذكرته لا يخلو إما أن يكون مانعا من الاستدلال بالعموم أو لا يكون فان كان مانعا فهو مذهب منكرى العموم من الواقفة والمخصصة [ الذين يتوقفون في حجية العموم وهذا مذهب الضلال أو الذين لا يعتبرون للعموم حجة أصالة وهذا ليس بمرضي ] وهو مذهب سخيف لم ينتسب إليه وان لم يكن مانعا من الاستدلال [ أي كثرة وجود العموم لا يمنع من الاستدلال بالعموم ] فهذا كلام ضائع غايته أن يقال دلالة العموم اضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يقر فانه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام ثم يقال له ثانيا:من الذي سلم لكم أن العموم المجرد الذي لم يظهر له مخصص دليل ضعيف أم من الذي سلم أن اكثر العمومات مخصوصة أم من الذي يقول ما من عموم إلا قد خص إلا قوله بكل شئ عليم فان هذا الكلام وان كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فانه من أكذب الكلام وأفسده والظن بمن قاله أولا:أنه إنما عنى أن العموم من لفظ كل شيء مخصوص إلا في مواضع قليلة كما قوله تدمر كل شيء وأوتيت من كل شيء فتحنا عليهم أبواب كل شيء و إلا فأي عاقل يدعى هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة وفى سائر كتب الله وكلام أنبيائه وسائر كلام الأمم عربهم وعجمهم .