الكذب أن يوقع الذهن في الوهم حيث يخبر بالشيء ثم ينقضه، وذلك محال على الله تعالى. [1]
وقد أجيب عليه بأن إهلاكهم غير متكرر، لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله: ما أهلكهم رفع لتلك فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله: ما أهلكهم، أنه أراد ما أهلك بعضهم كان ذلك تخصيصًا بالأشخاص لا بالأزمان، فلم يكن نسخًا. [2]
القول الثالث: التفصيل: ذهب أصحاب هذا القول إلى تفصيل بين الخبر الماضي والمستقبل فإن كان ماضيًا فلا يجوز نسخه وإن كان مستقبلًا جاز نسخه، واختاره القاضي البيضاوي وغيره. [3]
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولًا: قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [4] فالصلة هنا مضارع وهو قوله: (يشاء) فيتعلق المحو بما قدره الله تعالى، والإخبار يتبع المحو وهو ما يغيره الله تعالى مما قدره مستقبلًا. [5]
ثانيًا: استدلوا من العقل بأن ما تحقق في الماضي انتهى وانقضى أمره ولا يمكن رفعه بخلاف الخبر في المستقبل، فهو يمكن منعه من الثبوت.
وقالوا أيضًا: إن الكذب الذي يترتب على الخبر المخالف للأول لا يتعلق بالمستقبل بل هو مختص بالماضي، والله منزه عن ذلك. [6]
رأي الإمام سليم الرازي:
(1) المصدر نفسه؛ حاشية البناني: 2/ 131 - 132.
(2) المحصول: 1/ 549؛ وينظر: مسلم الثبوت: 2/ 75.
(3) ينظر: المنهاج وبهامشه الإبهاج: 2/ 243؛ وينظر: المحلى على جمع الجوامع: 2/ 132؛ التقرير والتحبير: 3/ 71. وقد نسبه ابن السمعاني لبعض الأشعرية، قواطع الأدلة: 3/ 87.
(4) الرعد: 39.
(5) التقرير والتحبير: 3/ 71؛ البناني: 2/ 132.
(6) المصادر السابقة.