يَقُول عُمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنمَا الدُنْيَا أَملٌ مُخْتَرمٌ. أي: مُنْتَقَض وبَلاغٌ إلى دارٍ غيرها وسَيرٌ إلى المَوْتِ لَيْسَ فيه تَعْرِيْجٌ. فالدُنْيَا دارُ فَنَاءٍِ وظَعَنٍ لَيْسَتْ بدَارِ مَقَام, إنها إلى زوال، وكل ما فيها لا يبقى على حال، نعيمُها منغص لأنَّه ناقصٌ، وما هي إلا أيامٌ معدودات. قَالَ الله تعالى:"مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ" [1]
وعَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ (أي مسرعة) ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ... ) [2]
إذا رأيت الإخوان والجيران والخلان، فتذكر كل من عليها فان. وإذا أبصرت البستان والأفنان والأغصان، فتذكر كل من عليها فان. وإذا شاهدت القصور والدور والحبور والسرور فتذكر يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور.
3)الدُنْيَا سبب الزيغ والضلال
قَالَ أحد العلماء رحمه الله تعالى: اعلم أنَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم - وقد صارت عدوّةً لله وعدوّةً لأَوْلِيَائِهِ وعدوّةً لأَعْدَائِهِ، أما عَدَاوَتُهَا لله تعالى فلأَنّها قَطَعَتِ الطَّريقَ بينه وبينَ أوليائِهِ. ولهذا فإنّه لم يَنْظُر إليها مُنْذُ خَلَقَهَا، وأَمَّا عداوتُهَا لأَوليائِهِ فلأَنّها تَزَيَّنَتْ لهم بِزِينَتِها وَغَمَرتْهُم بِزَهْرَتِهَا وَتَزَهَّتْ لهم بنَضَارَتِهَا حتى تجَرَّعُوا مَرَارَاتِ الصَّبرِ في مُقَاطَعَتِهَا وَتَحَمَّلُوا الْمَشَاقَ فِي الْبُعْدِ مِنْهَا. وَأَمَّا عَدواتُهَا لأَعْدَائِهِ فَلأَنها اسْتَدْرَجَتْهُم بِمَكْرِهَا وَمَكَايِدِهَا وَاقْتَنَصَتْهمِ بحَبَائِلِهَا وَأَقْصَدَتْهُمْ بِسِهَامِهَا حَتَّى وَثِقُوا بِهَا وَعوَّلُوا عليها. فَخَذَلَتْهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا وَغَدَرَتْ بِهِمْ أَسْكَنَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا فَاجْتَنَوْا مِنْهَا حَسْرَةً تَنْقَطِعُ دُونَهَا الأَكْبَادُ. وَحَرَمَتْهُمْ السَّعَادَةَ الأَخْرَوِيَّةِ عَلَى طُولِ الأَمَاد فَانْتَبِه يَا مَنْ اغْتَرَّ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكَ مِثْلَ مَا أَصَابَ الْمُغْتَرِّينَ بِهَا.
(1) (. النحل/96
(2) (. صحيح مُسْلِم