فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 114

مثل أَهْل الدُّنْيَا فِي غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بِهُمْ إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالْخُرُوج لِقَضَاءِ الحاجة وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مُرُور السَّفِينَة. فتفرقوا فِي نواحي الجزيرة، فقضى بَعْضهُمْ حاجته وبادر إلى السَّفِينَة فصادف المكَانَ خَالِيًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها. ووقف بَعْضهُمْ فِي الجزيرة، ينظر إلى أزهارها ويسمَعَ نغمَاتَ طيورها، ثُمَّ حدثته نَفْسهُ بفوات السَّفِينَة، وخطر ذهابها فَلَمْ يصادف إِلا مَكَانًا ضَيِّقًا فجلس فيه. وأكب بَعْضهُمْ على الأزهار الفائقة فحمل مَنْهَا حمله فَلَمَّا جَاءَ لم يجد فِي السَّفِينَة إِلا مَكَانًا ضَيِّقًا، وزاده حمله ضيقًا، وتولج بَعْضهُمْ فِي تلك الغياض، ونسي السَّفِينَة، وأبعد فِي نزهته، حَتَّى إن الملاح نادى بِالنَّاسِ، عِنْدَ دفع السَّفِينَة، فَلَمْ يبلغه صوته، لاشتغاله بملاهيه. ثُمَّ من هؤلاء من لحق بالسَّفِينَة، ولم يبق فيها موضع، فمَاتَ على الساحل، وَمِنْهُمْ من شغله لهوه، فافترسته السباع ونهشته الحيات وَمِنْهُمْ من تاه فهام على وجهه حَتَّى هلك، فهَذَا مثال أَهْل الدُّنْيَا فِي اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وَمَا أقبح بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هَشِيمًا. [1]

وَالْمَرْءُ يُبْلِيهِ فِي الدُّنْيَا وَيُخْلِقُهُ ... حِرْصٌ طَوِيلٌ وَعُمْرٌ فِيهِ تَقْصِيرُ

يُطَوِّقُ النَّحْرَ بِالآمَالِ كَاذِبَةً ... وَلَهْذَمُ الْمَوْتِ دُونَ الطَّوْق مَطْرُورُ

جَذْلانَ يَبْسِمُ فِي أَشْرَاكِ مِيتَتِهِ ... إِنْ أَفْلَتَ النَّابُ أَرْدَتْهُ الأَظَافِيرُ

(1) موارد الظمآن لدروس الزمان , عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ (2/ 186 - 187) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت