أما دعاة التغريب والعصرنة فقد عكسوا الأمر، فجعلوا الفرع أصلًا والأصل فرعًا وحمّلوا النصوص ما لا تحتمله من المعاني الباطلة؛ اتباعًا لشهواتهم وأهوائهم [1] .
وأيضًا فلو تأملت جيدًا لعلمت أن (اللون الرمادي) لا نصيب له في موضوع المرأة؛ بل في غيره من المواضيع التي يكثر فيها الجدل. وأن التيار العصراني الذي سيتبنى هذا اللون دائمًا سرعان ما يلحق بأحد اللونين (الأبيض أو الأسود) . وشاهد ذلك ما وقع في مصر عند ظهور هذا التيار العصراني (الرمادي!) بقيادة شيخه الشهير محمد عبده، الذي أراد أن يكون وسطًا بين طرفين -كما يزعم-، فأخذ يتأرجح يمينًا ويسارًا في مسيرته، إلى أن انضم بعضه إلى الأبيض والبعض الآخر إلى الأسود بعد وفاة الشيخ عبده.
وبعد: فهذه ملحوظات كنت أقيدها أثناء قراءتي لكتاب"تحرير المرأة في عصر الرسالة"أحببت أن أنشرها بعد أن رأيت الإحالة السابقة؛ لعلها تكون عونًا لهذا الأخ الفاضل وغيره للتنبه إلى خطورة مسلك هذا الكتاب والتقائه مع مسالك مبغضي الشريعة من دعاة التغريب، إن لم يفقها أحيانًا. ويشهد لهذا أن أحد مقدمي الكتاب وهو محمد الغزالي قد قال -يومًا ما- في جريدة الأهرام المصرية [2] :"فهذا الزي المبرقع أو المنقب ليس إلا زيًا من صميم الأزياء الجاهلية البائدة التي عفى عليها الزمن، ولم يعد لها اليوم مكان إلا في بعض البلاد المتخلفة أو النامية، ولن يبقى فيها طويلًا أمام التطور الوثاب الذي يؤكد ما قاله داعية تحرير المرأة الأول في مصر والشرق العربي: قاسم أمين"!!
(1) يقول الدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله- وهو الخبير بدعاة تغريب المرأة:"مصدر الخطأ والخلط في ذلك كله ناشئ عن وضع الاستثناء والشذوذ موضع القاعدة والأصل، واتخاذ أعمال الأفراد حجة على الشرع نفسه" (حصوننا مهددة من داخلها، ص95) . ثم بين -رحمه الله- أن حالهم كحال من أباح للناس أكل الميتة لأنه رأى آية أباحتها وقت الضرورة!
(2) بتاريخ2فبراير1982م. انظر:"الردود الخمسة الجلية على أخطاء كتاب السنة النبوية"للأخ أحمد الديب، ص8.