وسنة الشمول والعموم من مقتضى عدل الله حكمته، فلو انحرفت هذه السنة، فشملت قوم دون قوم لصار ذلك مدعاة إلى الركون وبالتالي عد الاطمئنان إلى عموميتها وشموليتها، ولكن لأن سنة الله عامة وشاملة فهي ترسخ الاطمئنان والثقة.
ودراسة التاريخ خير شاهد على ذلك، فإننا نجد أن ما ينطبق على أمة أخذت بالسنن ينطبق على أية أمة أخرى أخذت بتلك السنن، وأنه لا تحابي ولا مجاملة، حتى المسلمون عندما يتخلفوا عن سنن الله تعالى يصيبهم ما أصاب غيرهم ممن تخلف عن هذه السنن.
يقول ابن تيمية: إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة، ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفورً له مرحومًا في الآخرة، وذلك لأن العدل هو نظام كل شيء، فإذ أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها عند الله تعالى من خلاق [1] .
والحاصل من صفة العموم للسنن الإلهية هو أن أي مجتمع أخطأ أو انحرف متنكبًا عن سنن القانون الإلهي لقي جزاء خطئه أو انحرافه وتنكبه، ولو كان خيرا المجتمعات، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنًا لخطئهم في غزوة أحد وهو ما سجله القرآن عليهم بوضوح في قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (آل عمران / 165) .
والمقصود أنه لا محاباة ولا تمييز ولا استثناءات في اتصاف السنن والقوانين الإلهية بالعموم والشمول، وفي ذلك تحقيق لسابغ عدل الله وحكمته: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (يونس / 44) .
(1) ابن تيمية: مجموعة الفتاوى، 4/ 124.