ومن سننه تعالى أن الرسل إذا كذبتهم أقوامهم فإن الله لا يعذبهم ما دام الأنبياء بين أظهرهم، فإذا أخرجوهم عذبهم الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} (الأنفال / 33) .
يقول صاحب الظلال رحمه الله: ولقد جعل الله هذه السنة جارية لا تتحول، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم، وهذا الكون تصرفه سنن مطردة لا تتحول أما اعتبار فردي، وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون، إنما هي السنن المطردة الثابتة، فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشًا بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل لحكمة علوية لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة بل أوحى إليه بالهجرة ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول [1] .
ثالثًا: الشمول والعموم:
وهذه الخاصة تعني أن السنن الإلهية تشمل كل البشر، ولا تفرق ولا تحابي، يسري حكمها على الجميع دون تمييز، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواطنهم أو أعمارهم، أو أديانهم، غير مقتصرة على فرد دون آخر، ولا قوم دون آخرين.
ومصداق ذلك قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران / 137 - 138) ، فالآية دالة على أن سنة الله جرت في الذين من قبلنا من الأمم السابقة، فليتفكر وليتدبر أصحاب العقول والقلوب، ومن هذه السنن أن جعل العاقبة للمتقين المؤمنين، والدائرة على الظالمين المكذبين.
يقول المغربي: ولولا ثبات السنن وإطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص الأمم السابقة مطلب الاعتبار بما حل بهم، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها [2] .
(1) أنظر؛ قطب: في ظلال القرآن، 4/ 2246.
(2) المغربي: السنن الإلهية في تغيير المجتمعات، 62.