الثلاث: إما مقتولا أو مأسورا أو فارا، والفار إما مشوها (مبتور احد أطرافه) أو مرعوبا، وكلا الصورتين تؤديان الغرض المطلوب من إرهاب الآخرين، وكل معركة من معارك الإسلام يجب أن تكون هذه نتيجتها وقد شدد القرآن على ضرورة الالتحام والنهي عن الفرار من أرض المعركة قال تعالى: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (16) الأنفال.
فالآية دلت بدلالة الإشارة [1] إلى أن التولي يوم الزحف يفتح الباب لمعارك قادمة ومتتابعة، وهذا مالا يريده الإسلام؛ لأنه يريد من الجيش المسلم إذا ضرب سدد الضربة وأوجع حتى لا يفكر الخصم في مقاومته، فيكون الاستسلام والسلام وهو المراد، ومعلوم أن المسلمين في معاركهم كانوا يرفعون شعار (النصر أو الشهادة) وكانوا لا ينظرون إلى النصر بقدر ما ينظرون إلى الاستشهاد، لأنه اقرب الطرق إلى الجنة قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء74) .
فمنطوق الآية يدل على أن الشهادة أولا (يُُقتل) والنصر ثانيا (يَغلِب) أي ينتصر، وقال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف13) ،وهذا يعني أنَّ هناك أولى، ومن المعلوم أن أي قوة تعلم شدة وبطش من يقابلها تصاب بالانهزام النفسي، وتصوير المشهد في هذه الآية يجعل كل
(1) المعنى الذي يتبادر فهمه من اللفظ، ولا يقصد من سياقه، ولكنه لازم للمعنى. ينظر خلاف،145.