فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك. فيقال لهم: معنا أمران معلومان:
أحدهما: معلوم بالاضطرار من الدين.
والثاني: معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.
أما الأول: فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته و رسوله فهو كافر باطنًا و ظاهرًا، و أن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله، و إنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.
و قد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن، و حكم بكفرهم و استحقاقهم الوعيد بها، و لو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم. أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقًا و قد تكون كذبًا، بل كان ينبغي ألا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة، و هذا كقوله تعالى:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) {المائدة / 73} (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) {المائدة / 72} و أمثال ذلك.
و أما الثاني: فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، و أنه رسول الله، و كان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه و يسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به و بحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون أيمانًا إلا مع محبته و تعظيمه بالقلب" [1] "
و بقول ابن تيمية يتضح أن الاستهزاء عمل كفري يخرج صاحبه من الملة، و تبين -أيضًا- أن قول القائلين بأنه عمل يدل على الكفر قول خطأ.
و تبين الفرق بين أن يكون الاستهزاء كفرًا، و بين أن يدل على الكفر؛ فإذا كان كفرًا؛ فإن فاعله كافر ظاهرًا و باطنًا عند الله - سبحانه و تعالى -، و إذا كان الاستهزاء فعلًا يدل على الكفر؛ فإن فاعله كافرٌ ظاهرًا و قد يكون مؤمنًا في باطنه، عند الله - سبحانه وتعالى -.
(1) ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، مصدر سابق، الجزء 7، ص ص 340 - 341.