الصفحة 74 من 195

فقد حاول المستهزئون أن يدافعوا عن أنفسهم بأن قالوا (إنما كنا نخوض و نلعب) ؛ أي: لسنا جادين في كلامنا، فكلامنا لعب فقط. و لكنهم رغم اعتذارهم كفروا بالذي قالوه من كلام الاستهزاء، دون النظر إلى الاعتذارات التي هي أوهن من بيت العنكبوت.

فالله -سبحانه و تعالى- "بيّن أن ذلك الاستهزاء كان كفرًا، و العقل يقتضي أن الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائز، فثبت أن قولهم (إنما كنا نخوض و نلعب) ما كان عذرًا حقيقيًا في الإقدام على ذلك الاستهزاء، فلما لم يكن ذلك عذرًا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به، لان المنع عن الكلام الباطل واجب، فقال: (لا تعتذروا) ؛ أي: لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم " [1]

يقول ابن حزم: " فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع، و قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً) الآية

فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج من الإيمان، و لم يقل تعالى في ذلك إني علمت أن في قلوبكم كفرًا، بل جعلهم كفارًا بنفس الاستهزاء " [2]

و كلام ابن حزم بيّن واضح في أن الكفر قد وقع على المستهزئين بنفس استهزائهم، و لم يقل- سبحانه و تعالى: إني علمت أن في قلوبكم كفرًا. إنما كفروا بالاستهزاء ذاته. فدل على أن الاستهزاء مكفر بذاته دون الحاجة إلى النظر إلى ما في قلوب المستهزئين.

و أيضًا فليس الاستهزاء دالًا على الكفر، بل هو كفر، و الفرق بينهما هو ما يوضحه قول ابن تيمية:

"فهؤلاء القائلون بقول جهم و الصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله و التكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلام الكفر، ليس هو كفرًا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، و يجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفًا بالله، موحدًا له، مؤمنًا به."

(1) محمد بن عمر الرازي (ت606 هـ / 1210م) ، مفاتح الغيب، الجزء 16، الطبعة 2، دار إحياء التراث العربي، لبنان، 1997م، ص 94.

(2) على بن أحمد بن حزم (ت456 هـ / 1064م) ، الفصل في الملل و الأهواء و النحل، الجزء 2، الطبعة2، دار الكتب العلمية، لبنان، 1999م، ص 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت