ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال ; وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) . . والكبر له جلاله , وضعف الكبر له إيحاؤه ; وكلمة (عندك) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف. . (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق , وما يشي بالإهانة وسوء الأدب. . (وقل لهما قولا كريما) وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام. (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) وهنا يشف التعبير ويلطف , ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا , ولا يرفض أمرًا. وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانًا بالسلام. [1]
قيمة الوالدان في الإسلام:
حينما تحدث القرآن الكريم عن الوالدين أظهر مزيدًا من الاهتمام بهما، وتناولهما بأكثر من مرة، وبتنوع في العرض والطرح، وبيّن ما لهما من حقوق، وكان أسلوبه في العرض أسلوبًا سهلًا وواضحًا، ترفقًا بالمخاطبين وترغيبًا لهم في بر الوالدين، وتخويفًا وتحذيرًا من عقوقهما، ولقد جاء هذا العرض المتنوع كما يلي:
1.أورد الله سبحانه وتعالى بر الوالدين بصريح العبارة، وبكلام واضح لا لبس فيه، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (النساء: 36) .
وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: 23) ، ومعنى هذا الأمر بالبر، النهي عن العقوق، وبيان أخطاره وآثاره المدمرة.
(1) أنظر , سيد قطب: في ظلال القرآن , 4/ 2221.