526…جميل ما كان في هذا العيد أنه في أربعة أيام مقسمة على مناطق المدينة، اليوم الأول للأقرباء والأرحام، واليوم الثانى للساحة وما يتبعها، واليوم الثالث للمناخة وما يتبعها، يتناولون في الزيارة القهوة والحلوى والعطر، وتعطل الأسواق فيما عدا المقاهى، والأفران، واذا سرت فلا تسمع الا كلمتين (من العائدين أو تفضل) ، الأبواب في البيوت كلها مفتوحة، وفى البيت مستقبل باش هاش.
أما يوم الأغوات رابع الأيام فرحبة الأغوات التى في شرقى مدرج العين، تفرش كلها بالمفارش الثمينة، ويوقد على البخور، وكل الرحبة في الرستيمة والمسقف الجنوبى والغربى منها فيها تصف الكراسى للاستقبال ويضرب النقرزان، ويلعب خدم الحارة والأغوات بالشومية، ثم بالدرقة والسيف وهم يجيدون هذه اللعبة، وذكرنى هذا بما كان الأحباش يعملونه، وعائشة رضى الله عنها تحت رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر اليهم، ما أجملها لو لم يتركها الأغوات.
الرجبية والزيارة:
كان مجمع الحجاج في مكة وجدة يتقضى معظم شهور السنة، فتفرغ البلدتان من الحجاج، وقد من الله عليهما بالمال فيقصد أهل البلدين، وكذلك أهل رابغ المدينة للزيارة، ولا أرى مصدر هذه الزيارة الا ما قدمت، ولم تكن طائرات ولا حتى سيارات - كانت الواسطة الوحيدة هى الدواب - وكانت هذه لها عناية خاصة عند أهل الحجاز - يعلفون الدابة عامًا بأكمله لغاية الحج أو الزيارة، ويشكلون معسكرًا عظيمًا فيه الابل والخيل والحمير، يتنقلون عليها من مكة وجدة ورابغ الى المدينة، كما يفعل ذلك أهل المدينة وقت الحج، وفى شهر رجب تخلو مكة وجدة من الحجاج، فيقصدون المدينة، ولما أنهم يصلون اليها ينزلون في العقيق ليناموا ليلتهم فيه، ثم يصبحون في ثنية الوداع مصعدين الى المدينة، وللركب شيخ يقوم بما يقوم آمر القوم، تحت علم أخضر يتوسط الركب، فتكون الدواب في المقدمة، والركاب بعدها، حتى يدخلوا المدينة عن طريق سويقة، قبل فتح شارع العينية، حتى اذا كانوا عند رحبة باب السلام، أنشد منشد القصائد بصوته الصداح، يغرد…