524…القشاع وللشباب وعنفوان الرجولة كانا في المدينة لها فوضى لا تقل عن فوضى القبلية البدوية والقروية، فوضى حربية، فالشباب كان فرقتين رئيسيتين (( الساحة ) )ويتبعها باب المجيدى وحارى الأغوات ثم والمناخة، ويتبعها زقاق الطيار والعنبرية وحارة التاجورى، يتواعد القبيلان على اقامة الحرب الطائفية هذه في ميدانها المقرر في رحبة باب الشامى بينه وبين القرين الفوقانى، ويخرجون في الموعد الوقتى والمكانى ويكون مركز الساحة في مغرب السبيل العائدة لآل أسعد السادة، وما في شماله الى طريق الصدقة، ويكون مركز المناخة في ضفاف جبل سلع من شرقيه، ثم يبدأ التحريش بالأطفال الصغار من القبلين، يقذفون بعضهم بالحجارة من المقاليع، وبهؤلاء الأبرياء تكون فتيلة القتال قد اشتعلت وحمت الحمية في الكبار، ويبدأ الحرب عوانًا عاتيًا بين القبيلين في الوطيس، وتسيل الدماء وتكثر الجرحى، ويسقط بعضهم، وتكون بعدها الهزيمة لأحدهما، أو مواقف متساوية على أثرها، وعند أذان المغرب يبدأ التسلل والانصراف على موعد لقاء في يوم يتفق عليه.
ما هى أسباب هذه الحرب الطاحنة، التى قد تصل الى الطعن بالخناجر والضرب بالشومية، انها الأنانية وحب الذات ونشوة الانتصار، في غير ما سبب موجب سوى حب العدوان، والعسكر يحضرون المعركة في أطراف الميدان، وكذلك بعض الأهالى، لا شك في أنه نشاط من أنواع النشاط المكروه المبغوض الى النفوس، وعواقبه وخيمة.
أذكر أننى أصبت فيه بضربة في قمة رأسى، وخشيت من والدى أن يطلع عليه فيضربنى، علاوة على اصابتى، ذهب بى صاحبى رحمه الله وهو الآخر مصاب الى بين أهله، وغسلوا جراحنا، وكمدوها بالقهوة البن، فكنت لا أكشف عن رأسى أمام والدى، وتعفن الجرح، وضاعفت الحمى جهدها على، فلزمت الفراش وهنا اكتشف والدى اصابتى، وطالت أيام معالجتى، وبقى أثرها في رأسى وذاكرتى نحوًا من خمسين عامًا من عمرى، وغيرى الكثير ومثله المزمار.