فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 375

عاد الجيش المنسحب ـ أو فلول ذلك الجيش ـ إلى المدينة يحمل نعي أميرها قاسم بن جماز، وقبل أن يمسح أهل المدينة أحزانهم على من فقدوه من أبنائهم، وقبل أن يجتمع آل جماز ليختاروا من يتولى إمرة المدينة بعد قاسم، كان ابن عم لقاسم يدعى شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا نازلًا قرب المدينة، فلما بلغه مصرع قاسم جمع أعوانه، واستولى على دار الإمارة دون إراقة دماء (1) . وأصبح الناس فرأوا شيحة على منبر المسجد النبوي يدعو إلى مبايعته بالإمارة، ورجاله قائمون في أنحاء المسجد وخارجه وفي الطرقات، فلم يكن بد من مبايعته، فمن أعراف الإمارة الاستيلاء عليها بالقوة وتنحية الأمير السابق أو ورثته، وقد عهدت المدينة ذلك مرات عدة، وسيستمر هذا العرف خلال مراحل الصراع القادم بين أبناء الأسرة الواحدة. كان شيحة قويًا جريئًا حسن السياسة لذلك كان أول ما فعله هو أن يمسح أخطاء سلفه قاسم بن جماز، وأهمها الروح العسكرية الصارمة، ومعاداة الأيوبيين. فبدأ بتخفيف وطأة (الروح العسكرية) عن أهل المدينة، وأوقف الصراع مع أمراء مكة ورجالهم. وأرسل رسله إلى السلطان الكامل الأيوبي في مصر، تحمل ولاء المدينة له، فسر السلطان بذلك وأرسل الخلع والأموال للأمير ولأهل المدينة (2) ، ونعمت المدينة بالطمأنينة والأمن إلى نهاية ذلك العقد، غير أن هذه السكينة والطمأنينة اضطربت بعد ذلك بسبب الأحداث التى وقعت في اليمن ثم في مكة عامي 629 ـ 630 هـ ووصلت شظاياها إلى المدينة. ولم يلتزم الأمير شيحة منهجه السلمي فيها، بل سار مع الأحداث، ودخل حلبة الصراع شريكًا ثم تابعًا. حتى كاد أن يفقد إمارته... وحياته. وتفصيل ذلك أنه في سنة 626 هـ توفي السلطان مسعود الأيوبي حاكم اليمن وهو في طريقه إلى مصر، وخلفه أحد أعوانه المخلصين وهو نور الدين عمر الرسولي وقد أظهر

(1) انظر: نصيحة المشاور 247 والتحفة اللطيفة 2/ 225.

(2) السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت