الواضح أن هذا التفسخ الذي وصلت إليه أسرة قتادة في مكة، قد سلمت منه أسرة المهنا في المدينة، فشخصية قتادة الطموحة القاسية أنجبت شخصية أخرى أشد منها ضراوة وأكثر دموية هي شخصية الحسن بن قتادة، الذي قتل عمه وأباه، واستدعى أخاه من ينبع وقتله كي لا ينافسه على الإمارة، ومثل هذه الشخصية السفاكة لابد أن تلقى عقاب الله العاجل، فكانت نهاية حكم آل قتادة على يديه، لا جرم.. لم يمهله الله سبحانه وتعالى، نزع ملكه وجعله طريدًا شريدًا خائفًا يترقب، فقد دهمه الملك المسعود من اليمن عام 620 هـ وطرده، فهام على وجهه ومات شريدًا (1) . وبينما الأمور على هذا الاضطراب والقلق في مكة كانت المدينة تعيش في طمأنينة رغم شدة أميرها قاسم بن جماز وطموحاته العسكرية، وقد أفادت هذه الطموحات المدينة في تقوية القوة المسلحة فيها، وتأديب الأعراب الذين حاولوا غزوها ومطاردتهم وإنزال أشد العقاب بهم، فنعم أهل المدينة والمجاورون بأمن، وتواصلت الحركة العلمية في المسجد النبوي، والمدارس التي أنشئت حوله وبعض الرباطات، ونمت الحركة التجارية شيئًا ما، ووجدت البساتين من يعطيها مزيدًا من الوقت للعناية بها واستخراج الخضار والفواكه والتمور منها، ويذكر صاحب التاريخ المنصوري أن الحج كان في غاية الأمن والرخاء وكثرة المياه وغيرها في تلك السنوات (2) .
(1) الكامل 9/ 346.
(2) التاريخ المنصوري: تلخيص الكشف والبيان ص116.