كانت المدينة المنورة في مطلع العهد الذي ندرسه إمارة صغيرة شبه مستقلة فهي تتبع الخلافة العباسية اسميًا وترفع الرايات السود على الإمارة وبين يدى الخطيب في المسجد النبوي (1) ويسعى أميرها إلى الحصول على مرسوم من الخليفة يقر بإمارته ويمنحها الشرعية المطلوبة، ولكن لا سلطة للخليفة عليه، فليس هو الذي يعين الأمير، إنما تعينه الأسرة الحاكمة حسب الأعراف السائدة فيها، أو الأمر الواقع: أي القوة والغلبة، حيث يسيطر أحد الحسينيين على الإمارة قهرا، وقد يقتل سلفه أو يخرجه من المدينة، فإذا استتب له الأمر وفشل خصومه في زحزحته عن المنصب أرسل إلى الخليفة يستصدر مرسوما يقر بإمارته، وأرسل مع طلبه بعض الهدايا، فيأتيه المرسوم (2) ، ويدير الأمير شؤون الحكم، وليس عليه أية سلطة، أو مراقبة، أو محاسبة ويقوم رجاله بجباية المكوس والمبالغ الأخرى التي يفرضها على التجار والأهالي ولا يرسل شيئا منها إلى الخلافة، وعلى العكس من ذلك يتوقع أن يرسل الخليفة ووزراؤه مساعدات للأمير ورجاله وللمسجد النبوي والقائمين عليه والفقراء من الأهالي والمجاورين. وكانت جبايات الإمارة والمساعدات المرسلة من الخليفة المصدر الرئيسي لنفقات الإمارة. وخلال القرن الرابع الهجري كانت المنافسة كبيرة بين الفاطميين والعباسيين على الولاء الاسمي للحرمين، وكان العامل الفعّال فيها المساعدات المالية والعينية التي يرسلها هذا الفريق أو ذاك. عندما استولى الفاطميون
(1) انظر: نصيحة المشاور ص (وقد كان الكتاب عند إعداد البحث مخطوطًا فاعتمدت على نسخة موجودة في مكتبة عارف حكمت برقم 5560/ 900 وخلال طباعة البحث صدر الكتاب مطبوعًا بعناية الأستاذ حسين محمد علي شكري ولم تتح لي فرصة الرجوع إليه لذلك فإن جميع الهوامش التي تذكره تقصد المخطوطة المذكورة
(2) حدث هذا مع عدد من الأمراء وخاصة عندما تحولت السلطة الاسمية المشرفة على إمارة المدينة إلى مصر.