طريقة للإحصاء. ولم يحاول الخليل ولا غيره من أصحاب المعاجم، أن يرجعوا تقاليب المادة اللغوية المختلفة إلى معنى واحد كما فعل ابن جني. ولكن لعل فكرة كتاب (العين) هي التي أوحت إلى ابن جني بموضوع الاشتقاق الأكبر". (1) "
وهذا النوع من الاشتقاق له دور في تنمية ألفاظ اللغة وتغير المعنى، ولكنه دور أقل أهمية من دور الاشتقاق الصغير. (2)
وقد وقف علماء اللغة العرب من الاشتقاق الأكبر ثلاثة مواقف، فأيده فريق وبالغ في تأييده، ومنهم الزجاج (ت) الذي كان يرى:"إن كل لفظتين اتفقتا ببعض الحروف، وإن نقصت حروف إحداهما عن حروف الأخرى، فإن إحداهما مشتقة من الأخرى، فتقول: الرّحِل مشتقة من الرحيل، والثور إنما سمي ثورًا لأنه يثير الأرض، والثوب إنما سمي ثوبًا لأنه ثاب لباسًا بعد إن كان غزلًا". (3)
وقد أنكر فريق آخر هذا النوع من الاشتقاق، منهم العلامة السيوطي، فقال:"وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح ابن جني، وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيرًا، وليس معتمدًا في اللغة، ولا يصح أن يُستنبط به اشتقاقٌ في لغة العرب، وإنما جعله"
أبو الفتح بيانًا لقوة ساعده ورده المختلفات إلى قدرٍ مشترك، مع اعترافه وعِلْمِه بأنه ليس هو موضوع تلك الصيغ، وأن تراكيبها تفيد أجناسًا من المعاني مغايرة للقدر المشترك، وسبب إهمال العرب وعدم التفات المتقدمين إلى معانيه أن الحروف قليلةٌ، وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكاد تتناهى، فخصُّوا كل تركيب بنوع منها، ليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعًا كثيرة، ولو اقتصروا على تغاير المواد، حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضرب، لمنافاتهما لهما، لضاق الأمر جدًا، ولاحتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها، بل فرقوا بين مُعْتِق ومُعْتَق بحركة واحدة حصل بها تمييز بين ضدين.
وهذا ما فعلوه أخصر وأنسب وأخف، ولسنا نقول: إن اللغة أيضًا اصطلاحية، بل المراد بيان أنها وقعت بالحكمة كيف فرضت، ففي اعتبار المادة دون هيئة التركيب من فساد اللغة ما بينت لكَ، ولا ينكر مع ذلك أن يكون بين التراكيب المتحدة المادة معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها، ولكن التحيل على ذلك في جميع مواد التركيبات كطلب العَنقْاَء مُغرب، ولم تُحْمل الأوضاع البشرية إلا على فهوم قريبة غير غامضة على البديهية، فلذلك إن الاشتقاقات البعيدة جدًا لا يقبلها المحققون. (4) [1]
(1) 1 - ... فصول في فقه اللغة، ص262.
2 -... علم الدلالة والمعجم العربي، ص102.
3 -... المزهر، ج1 ص345.
4 -... المزهر، ج1 ص347 - 348.