ومما يدخل تحت هذه القاعدة أن يكون المحاور منصفًا، وهذا يعني أن يذكر كل محاور حسنات زميله، وأن يقدر جوانب الخير التي يتحلى بها، وأن يعذره إن أخطأ وليس معنى الإعذار تصويب ما لدى الطرف الآخر من سلوك وأفكار، فالحق لا يتعدد، وإنما المطلوب تفهم الوضعية العامة للمحاور ومحاولة حل مشكلاته إن أمكن [1] .
كذلك يدخل تحت هذه القاعدة الرابعة: البدء من نقطة الالتقاء، فأي متحاورين مهما اختلفا لا بد وأن يكون بينهما نقاط التقاء، يتفقان عليها، وبالتالي نبدأ من هذه النقطة، فالبدء بما نتفق عليه خير وأحسن من البدء بما نختلف حوله، وهذا له تأثير كبير على المحاورة والمحاور والمستمع، قال تعالى: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت / 46) .
ومما يدخل تحت هذه القاعدة: عدم الاستعجال في الرد على الخصم، وعدم قطع أفكاره، وكلامه، والانتظار حتى ينتهي من عرض فكرته كاملة وأن يحتمل ما يسمع من محاوره من كلام وأفكار، مهما كانت ضالة ومخالفة لما هو عليه من الحق والاعتقاد.
ألم نقرأ قول الله تعالى محذرا: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (الحج / 8) .
حينها يقوم بالرد عليه بهدوء وثقة الواثق بربه، ثم الواثق بما عنده من علم وفكرة حقه، وصحيحة غير فاسدة، بعيدة عن التعنيف والتشهير والسباب، دون أن يخوض فيما لا يعلم، وإلا ظهر عليه ضعف الخطاب وضعف الحجة.
والقرآن يدعونا إلى احترام ذوات الخصوم، والتعامل مع أفكارهم بحذر دون تهجم أو سباب: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام / 108) .
(1) عبد الكريم بكار: مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، ص133.