إن من أعظم ما يتصف به المحاور الهدوء والوقار لما له من تأثير كبير على جميع الأصعدة، فهو من جانب تأدب مع الله، وأدب مع الناس، وثقة بالنفس على أنها على حق, وبالتالي ينتج قوة في الحديث ورساخة قدم، فلا يرفع صوته إلا في اللحظة التي يحتاج فيها لرفع الصوت، وضمن ضوابط يعمل من خلالها، فالقرآن الكريم حين يأمرنا قائلًا: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان / 19) ، وذلك لما في غض الصوت أي خفضه من إيجابيات على المحاور والسامع والمشاهد، وفي نفس اللحظة لما لرفع الصوت من سلبيات، أقلها أنها كصوت الحمير، مزعجة لا فائدة منها، وليس معنى الهدوء وخفض الصوت أن يخفضه لدرجة يعجز المستمع عن متابعة الحديث، وإنما لا بد من التوسط والاعتدال، وقد وجد بالخبرة والتجربة أن الصوت المعتدل الهادئ المتأني من غير صراخ أو صياح، ومن غير إسرار وإخفات هو الأدخل إلى النفوس، والأنفذ إلى الأعماق والأحفظ لجلال الكلمة ووقار المتكلم، ومن الأفضل ألا يجعل المحاور درجات صوته على وتيرة واحدة، لأن ذلك قد يجلب النوم للمستمعين، ولكن يلزمك خفض الصوت ورفعه انفعالًا مع الحديث، فإن لقوة الصوت وخفضه دورًا في تجديد الانتباه [1] .
لهذا يقول مصطفى مشهور: فالمحاور يقبل بوجهه إلى من يحدثه، ويوضح الألفاظ بصوت مناسب، لا هو بالخافت الذي لا يكاد يسمع ولا بالمرتفع المؤذي، مع تجنب العبارات والألفاظ المؤذية أو غير اللائقة، فضلًا عن الغيبة والنميمة، وعلى السامع أن يقبل بوجهه لمحاوره، وأن يوليه انتباهه وإنصاته، وألا يقاطعه حتى يتم حديثه، وأن يحرص كل منهما ألا يتطور الحوار إلى جدال ومراء, بل يكون حرص كل منهما على الوصول للحق والخير، مع افتراض كل منهما الخطأ في رأيه كما يفترض فيه الصواب [2] .
ومما له علاقة بهذه القاعدة أمران:
(1) الندوة العالمية: في أصول الدعوة، ص49.
(2) مصطفى مشهور: من فقه الدعوة، 1/ 535.