صلى الله عليه وسلم في بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أُنْزِلَ في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَو عَلِمْنَا أي الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ فَقَالَ أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ وَقَلْبٌ شَاكِرٌ وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ).
الاسم الثمانون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الشكور فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في قوله تعالي: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر:30) (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر:34) ، (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن:17) .
والشكور في اللغة على وزن فعول من صيغ المبالغة، فالشكور فعول من الشكر وأصل الشكر في الكلام الظهور، والشكور هو الذي يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده مغفرته لهم، والشكر من الله تعالى إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة، حقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكره وذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد، ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، ثم إن إحسان العبد طاعته لله تعالى، وإحسان الحق إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له.
واسم الله الشكور يدل علي ذات الله وعلي صفة الشكر بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن صفة الشكر وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والعلم السمع والبصر، والكرم والرحمة واللطف والرأفة الغنى والسعة، وغير ذلك من صفات الكمال، واسم الله الشكور دل علي صفة من صفات الأفعال.
كيف ندعو الله باسمه الشكور دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في اسمه الشاكر (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل:19) .
أما دعاء العبادة فيستوجب شكر الله بالقلب واللسان والجوارح، فالشكر في حق العبد ثلاثة أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة، والاعتراف بها إلى المنعم، والعزم على طاعته، وعند مسلم من حديث صهيب الرومي، أن رسول الله قال: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) ، وشكر اللسان هو الثناء على المنعم بفضله، وفي صحيح مسلم من حديث ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، وشكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بفعل الجوارح، من خلال خضوعها واستجابتها لأمره ونهيه، قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13وذلك تنبيه على أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، ومثله قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُلوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة:172) ، فشكر النعمة آداء العبادة بالقلب واللسان والجوارح، وفي صحيح البخاري من حديث الْمُغِيرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيَقُومُ لِيُصَلِّىَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَو سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا.