مطلق الخلق والتدبير وهذا هو الكمال، أما الجمال في الملك فقيامه على الحق، لا يظلم فيه أحدا ولا يشرك في حكمه أحدا، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، يقبل التوبة عن عباده وهو قادر على إهلاكهم، لكن ملوك الدنيا إن استتب لهم كمال الملك وأحكموا قبضتهم على الخلق، ضيعوا الجمال في الملك بظلم الخلق وضياع الحق، وإن جمعوا بين الكمال والجمال سلبهم دوام الحال، فما يلبث أن يموت الخليفة العادل أو يغتال أو يقتل.
فمن حكمة الله أنه إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه الجمال، وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال، ومعلوم أن دوام الحال من المحال، فالوحيد الذي اتصف بالكمال والجمال هو رب العزة والجلال، كل اسم من أسمائه فيه الكمال والجمال، (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام) فإذا أضفت إلي كماله وجماله ما كان من إحسانه في ملكه، وإنعامه على خلقه، فإنه لا يتخلف عن حبه إلا الجاحدون وأصحاب القلوب والخبيثة.
الاسم الثامن والستون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله البر، فقد سمي الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية في موضع واحد من النصوص القرآنية وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في قوله تعالي: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور17/ 28) .
والَبرُّ هو العَطوف على عبادة ببِرّة ولطفه، والبَرُّ والبارّ بمعنى واحد , لكن الذي جاء في أسماء الله تعالى البَرُّ دُون البارّ والأسماء توقيفية، والبِرُّ هو الإحسان، ومنه الحديث ما ورد عند البخاري من حديث ابن مسعود قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، والبر في حق الوالدين والأقْربِينَ من الأهل ضدّ العُقُوق وهو الإساءة إليهم والتَّضْييع لحقّهم، يقال بَرَّ يَبَرُّ فهو بارُّ , وجمعه بَرَرَة , وجمع البَرّ أبرار.
وعند البخاري من حديث عروة بن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه أن أباه أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، قَالَ حكيم: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا، يَعْنِى أَتَبَرَّرُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ.
والله سبحانه وتعالى أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض أو في السماء وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ وَقَالَ يَدُ اللَّهِ مَلأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) ، كما أن الله يتجاوز عن عبده وينصره ويحميه، ويقبل القليل منه وينميه، فهو المحسن إلي عبادِهِ الذي عَمَّ بِرُّهُ وإحسانُه جميعَ خلقِهِ.
واسم الله البر يدل علي ذات الله وعلي صفة البر بدلالة المطابقة وعلي ذات الله وحدها بالتضمن صفة البر وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية والعلم الأحدية والسمع والبصر والقدرة والحكمة والغني والعزة والجلال والقوة وغير ذلك من صفات الكمال، واسم الله البر دل علي صفة من صفات الأفعال.