، وأحكام العرف يقصد بها كل ما تعرفه النفوس وتسحسنه العقول من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهي التي كانت ولم تزل مستحسنة في كل زمان ومكان، وإلى هذا أشار النبي صلي الله عليه وسلم بقوله: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) وهو حديث صحيح رواه البخاري من حديث ابن مسعود، والمقصود أن الحياء لم يزل مستحسنا في شرائع الأنبياء، وأنه لم ينسخ في جملة ما نسخ من شرائعهم، وعند البخاري من حديث من حديث أبي سفيان، وهو بين يدي هرقل أنه قال لِتَرْجُمَانِهِ: (قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ) ، وعند البخاري ومسلم من حديث أي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (إِنَّ موسى كَانَ رَجُلا حَيِيًّا سِتِّيرًا لاَ يُرَي مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ) ، والله يقول عن بنت شعيب: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) (القصص:25) ، فالحياء صفة أخلاقية وسجية نفسية تراعي مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وهي كلها خير.
أما حياء الشرع فهو الحياء الذي يحفظ به العبد حدود الله ومحارمه، وربما يتطلب ذلك ورعا واتقاء للشبهة مما يحيف على الحيي بعض الشيء، وقد روى مسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، وفي رواية أخري: مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعَاتَبُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِى، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) ، وعند النسائي وابن ماجة وصححه الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) إنَّما جَعَل الحَياء وهو أمر غَريزي شُعْبة من الإيمان وهو أمر كسبي، لأنَّ المُسْتحي يَنْقَطِع بالحَياء عن المَعاصي، فصار كالإيمان الذي يقطع عنها، وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ) .
والله عز وجل حيي لأنه الولي الذي تكفل بعباده وبأرزاقهم فليس لهم أحد سواه، فهو الذي يقبل توبتهم ويوفق محسنهم، ويسمع دعوتهم ولا يخيب رجاءهم، وحياء الرب تعالى لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال، وفي سنن أبى داود وابن ماجة، وصححه الشيخ الألباني من حديث سَلْمَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا) ، والحياء وصف كمال لله لا يعارض الحكمة ولا يعارض بيان الحق والحجة: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (البقرة:26) .
وعند البخاري من حديث أَنَسٍ رضي الله عنه لما بنِىَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وأعد طعاما أطعم الناس فيه حتى أكل الجميع وَبَقِىَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ وحياء النَّبِي صلى الله عليه وسلم يمنعه من إخراجهم قال أنس: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أَدْرِي أخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حتى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ