كيف ندعو الله باسمه البارئ دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه يتوسل به إلى ربه كما في دعاء إبراهيم بن أدهم: (اللهم اعصمني من فتن الدنيا ووفقني لما تحب من العمل وترضى وأصلح لي شأني كله وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تضلني وان كنت ظالما سبحانك، سبحانك يا علي يا عظيم يا باري يا رحيم يا عزيز يا جبار) حلية الأولياء 3/ 39.
أما دعاء العبادة فهو مراعاة العبد لاسمه البارئ في سلوكه فيترفع عن المعاصي ويبرئ نفسه من الشبهة والشهوة، وعند الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث صَفْوَان بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: أُغْمِىَ عَلَى أَبِى مُوسَى فَبَكَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَلاَ خَرَقَ وَلاَ سَلَق َ، خرق شق الثياب وسلق رفع صوته عند المصيبة، وعند الإمام مسلم من حديث أُمِّ سَلَمَةَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114) ، كما أنه ينبغي على العبد أن يتقي الله في عمله فيخلص فيه ويتقنه على قدر وسعه وطاقته وما منحه الله من قوة على الفعل عملا بقول النبي: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) وهو حديث صحيح صححه الشيخ الألباني.
الاسم السادس والأربعون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله المصور، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في موضع واحد من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر:24) والمصور دل على صفة من صفات الفعل ورد النص عليها في قوله: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:6) (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) (الأعراف:11) (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر:64) (يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار:8) .
والمصور اسم فاعل للموصوف بالتصوير، فعله صور وأصله صار يَصُور صوْرا، صور الشيء أي جعل له شكلا معلوما، وصور الشيء قطعه وفصله، وتصويره جعله على شكل متصور وعلى وصف معين، والتصوير هو جعل الشيء على صورة، والصورة هي الشكل والهيئة أو الذات بصفاتها، وهذا الكون صور الله المخلوقات فيه بشتى أنواع الصور الجلية والخفية، الحسية والعقلية، فلا يتماثل جنسان أو يتساوى نوعان، بل لا يتساوى فردان، فلكل صورته وسيرته، وما يخصه ويتميز به عن غيره، والصور متميزة بألوان وأشكال في ذاتها وصفاتها، ولو أصيت ذلك في نوع واحد، أو في جنس واحد من هذه الأمم المصورة لطال كتابك وعجز بنانك وانتهي مدادك.
فالمصور في أسماء الله الحسنى هو مبدع صور المخلوقات، ومزينها بحكمته، ومعطى كل مخلوق صورته على ما اقتضت حكمته الأزلية، وكذلك صور الله الناس في الأرحام أطوارا، وشكلهم أشكالا كما قال ربنا تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا