عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ - الكِنُّ هو ما يَرُدّ الحَرَّ والبَرْد من الأبنِيَة والمساكن - فَقَال: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِيرٌ وَأَنِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.
والغني هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، والغني أصله صفة مشبهة للموصوف بالغنى، والغنى في حقنا يعني قلة الاحتياج أو عدم الاحتياج، ويتحقق بالأموال أو الأقوات التي يقتنيها الإنسان لدفع الضرر والحاجات، وأي غني في حق ما سوي الله فهو نسبي مقيد، أما غنى الحق سبحانه فهو كامل مطلق، فهما بلغ المخلوق في غناه فهو فقير إلى الله، فالله غنيٌ لا يحتاج لأحد في شيء لأنه المالك لكل شيء المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين، خزائنه لا تنقص ولا تنفد، يعطى من يشاء ما يشاء من فضله، وقسم لكل مخلوق ما يخصه في رزقه، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أَبِى ذَرٍّ الغفاري أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَال: (يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِل الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) .
فالغنى على سبيل الإطلاق وعدم الحاجة هو الله، وليس ذلك لأحد سواه، فهو المستغنى عن الخلائق أجمعين، الغنى بذاته عن العالمين، واتصاف غير الله بالغني لا يمنع كون الحق متوحد في غناه، لأن الغني في حق غيره مقيد وفي حقه الله مطلق، وهذا واضح معلوم، وذلك مضطرد في جميع أوصافه باللزوم.
واسم الله الغني يدل على ذات الله وعلى صفة الغني بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الغنى وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والقوة والأحدية، والقدرة والصمدية والعزة والكبرياء، والملك والعلياء، وكل ما يلزم لمعنى الغنى وما يترتب عليه، واسم الله الغني دل على صفة من صفات الذات.
كيف ندعو الله باسمه الغني دعاء مسألة ودعاء عبادة؟ دعاء المسألة كما في حديث الاستسقاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَل أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لكُمْ، ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِىُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَليْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلى حِينٍ) وعند البخاري من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللهُمَّ اغْسِلْ عَنِّى خَطَايَاىَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
أما دعاء العبادة فيظهر من خلال فهم العبد لمعني الغني الذي يؤدي إلى كمال الإيمان، فيتواضع الغني على الرغم من غناه لعلمه أن المتوحد في الغني هو الله، ويظهر الفقير بمظهر الغني وهو يعاني من شدة الفقر تعففا من سؤال الناس إلحافا، كما قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة:273) .