أما كيف تنتصر الروح على الجسد، وكيف ينتصر الجسد على الروح ؟ فإن الإنسان - في نظر هؤلاء - هو عبارة عن روح يأسرها الجسد ويمنعها من الارتقاء والتحرر والسمو إلى عالم الأرواح العليا. فحتى تنتصر الروح على الجسد لا بد من إضعافه وقهره وإذلاله حتى لا يقوى على الروح، وحتى تستطيع التفلت منه والتحرر من قيوده. لذلك، فإن على من يريد الارتقاء بروحه أن يقضي حياته في معركة ضد جسده، بأن لا يستجيب لرغباته وشهواته، فيبتعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها ونعيمها، فلا يأكل إلا ما يقيم صلبه من مر الطعام وزهيده، ولا يلبس نواعم الثياب، وإنما يضع على كاهليه رقاع"الصوف"الخشن والثياب الرثة، ولا يركب الدوابّ الذلول وإنما يسيح في الأرض حافي القدمين حاسر الرأس في نوائب الأيام وعواتي الليالي، ولا يسكن البيوت الفارهة وإنما الدور الوضيعة والأكواخ الزرية، ولا ينام على الفرش ولا يتكئ على الأرائك وإنما يفترش الأرض والبسط اليابسة، ويهجر الرجل المرأة والمرأة تهجره، ويكبتان شهوة النوع، ويعيش حياة الرهبان، ويقضي أوقاته في قهر الجسد وإذلاله في الزوايا والتكايا ودور العبادة... وهكذا إلى أن يصل ضعف الجسد حدًا لا يقوى معه على أسر الروح، فتنفلت منه وتسمو إلى عالم الأرواح العلوي وتتكشف الحقائق والقضايا أمام ذلك الإنسان جلية واضحة، ليس عن طريق الحواس الجسدية من بصر وسمع وغير ذلك، وإنما عن طريق الكشف"الوجداني". وهكذا تتدرج تلك الروح في الارتقاء إلى أن تصل- في زعم هؤلاء - إلى الاتحاد بالروح العليا أي بالذات الإلهية تعالى الله عن ذلك.
أما الإنسان الذي يستجيب لأهواء جسده، ويشبع رغباته وشهواته، وينال متع الحياة الدنيا ويأكل من طيبات ثمرها ويأخذ من زينتها، فقد حكم على روحه بالموت والفناء مع ذلك الجسد، وغرق في أوحال الدنيا ومادتها وأصبح في عداد الأشرار الفاسقين.