{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (1) .
ثم يعرض الله تعالى لنا مقابلة بين الفريق السعيد وذلك الشقي، فيقول:
{ فمن اتّبع هداي فلا يضِلُّ ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا } (2) .
وبذلك المفهوم، فإن السعادة قد تكون مع التنعم وزينة الحياة الدنيا وزخرفها إذا ما أقبل الإنسان عليها ملتزمًا أوامر الله ونواهيه منضبطًا بحدود شرعه. أما إن هو أقبل على الدنيا معرضًا عن أمره سبحانه مقتحمًا حرماته، فإنه لن يشعر بالسعادة مهما ادعاها، ذلك أن نفسه لن تستقر وقلبه لن يطمئن، إذ لا طمأنينة دون استشعار رضوان الله تعالى.
وبذلك أيضًا، قد تترافق السعادة مع الضيق والابتلاء والشدة، فالمسلم حين يقاتل في ساحة المعركة معرضًا دمه للإهراق ونفسه للإزهاق فإنه يشعر بعظيم النشوة والفرح، ذلك أنه يستشعر رضوان الله تعالى بقيامه بأعظم شعيرة من شعائره، وبالجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. وكذلك شأنه حين يتعرض للاضطهاد والتنكيل من أجل كلمة الحق والموقف المبدئي. فها هو بلال رضي الله عنه يشعر بالنشوة والعزة وهو تحت الصخرة فوق رمال الصحراء المحرقة مصرًا على ترديد"أحد أحد".
ثم ها هو سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام يضرب لنا المثل الرائع حين يفضل السجن المترافق مع رضوان الله تعالى على المتعة المترافقة مع سخطه سبحانه، فحين تهدده زوجة العزيز قائلة: { ولقد راودْتُهُ عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره به ليسجننَّ وليكونًا مّن الصاغرين } (3) ، يجيب ذلك الجواب الرائع: { قال رَبِّ السجنُ أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه ...} (4) .
(1) - سورة الأحقاف - الآية 13
(2) - سورة طه - الآية 124
(3) - سورة يوسف - الآية 32
(4) - سورة يوسف - الآية 33