الصفحة 84 من 188

وهكذا، إن أغفلت هذه الناحية الجوهرية في الإنسان، ووضع على طريق الإشباع المادي البعيد عن إدراك الصلة بالله تعالى - أي بعيدًا عن الروحانية - فإنه سيبقى قلقًا مضطربًا حائرًا تعيسًا نكدًا ينشد السعادة فلا يجدها، كمن يركض وراء السراب.

لنتأمل الآن قوله تعالى عن هؤلاء: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور } (1) .

من هنا كان تصوير الإسلام للسعادة هو التصوير الصحيح، وكان طريقه هو المؤدي إلى سعادة الإنسان. ذلك أنه وافق فطرة الإنسان فأشبع غريزة التدين إشباعًا صحيحًا حين عرّف الإنسان بخالقه سبحانه وأقام له الصلة الصحيحة معه بما بيّن من عقائد وشرع من عبادات. ثم حين دبر له أمره وحياته بما شرع من أنظمة للحياة تنظم إشباع جوعاته كلها، فلم يطلق الغرائز وإنما نظمها ونسقها ووضعها في المسار الصحيح. وبذلك أصبح الإنسان المسلم مسيرًا حياته بأوامر الله ونواهيه.

لذلك، فإن الإنسان بقدر ما يلتزم بأوامر الله ونواهيه، وبقدر ما ينضبط سلوكه بالنظام الإلهي، يحقق لنفسه السعادة. وهكذا ندرك المفهوم الصحيح للسعادة بأنها نيل رضوان الله تعالى، وأن التعاسة هي في البعد عن رضوانه سبحانه.

وهذا ما يخبرنا به ربنا سبحانه وتعالى حين يقول:

{ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } (2) .

{ من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة } (3) .

{ فإمّا يأتينّكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } (4) .

(1) - سورة النور - الآيتان 39-40

(2) - سورة المائدة - الآيتان 15-16

(3) - سورة النحل - الآية 97

(4) - سورة البقرة - الآية 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت