أما الأمر الثالث، الذي غفلوا عنه، فهو أن الإنسان قد يشبع غريزته ويتمادى في إشباعها بحيث تطغى على الأخرى وتحول دون إشباعها، فلا يعود هناك تناسق بين الغرائز عند إشباعها، فيؤدي ذلك بالإنسان إلى الاضطراب والحيرة والقلق، أي إلى الشقاء كما هو شأن الإنسان الغربي اليوم.
إن الطريقة الصحيحة لتحقيق السعادة للإنسان تكمن في إشباع حاجاته وغرائزه إشباعًا منظمًا منسقًا يوازي بين الغرائز بحيث لا يغفل غريزة، ولا يدع واحدة تطغى على الأخرى.
وإن أهم ما يجب التنبه إليه هو أن أبرز غريزة في الإنسان وأظهرها أثرًا على سلوكه هي غريزة التدين. ذلك أن الإنسان حين يعي على هذه الحياة الدنيا، ويرى نفسه مدفوعًا لإشباع جوعاته يدرك فطريًا أن النعمة تحيط به من كل جانب، ذلك أن وسائل إشباع جوعاته مسخرة له ومتيسرة من قبل أن يكون على قيد الحياة، فالهواء والماء والطعام والحرارة المعتدلة وسواها من وسائل العيش التي لا حياة له من غيرها، أُمنت له وسُخّرت دون أي فعل منه أو جهد، فيجد نفسه مدفوعًا للبحث عن صاحب تلك القدرة التي أنعمت عليه بالحياة وأسبغت نعمها ظاهرة وباطنة، من أجل أن يعرب عن شكره وامتنانه عابدًا إياه ومبجلًا، مقدسًا له ومتذللًا. لذلك رأينا الإنسان منذ قديم الدهر عابدًا متدينًا حتى إذا ضل عن معرفة خالقه سبحانه اتخذ رموزًا وأوثانًا آلهة مزعومة يعبدها.
ثم إن ذلك الإنسان حين يقف أمام استحقاق العيش يشعر بالحيرة والقلق: كيف أشبع جوعاتي، كيف أعيش، كيف أستخدم الأشياء من حولي وكيف أواجه الحياة ؟ فيشعر أنه ناقص عاجز عن تدبير أمره وحياته، وأنه بحاجة إلى تدبير خالقه سبحانه، فيلجأ إليه طالبًا منه تدبير أمره وحياته كلها.
وباختصار، إن غريزة التدين - التي هي جوهر الفطرة الإنسانية- هي ذلك الاحتياج إلى الخالق المدبر، الناشىء عن العجز الطبيعي في تكوين الإنسان.