وهكذا، بدأ المجتمع الغربي اليوم يدرك أن الباب الذي طرقه ابتغاء السعادة، أوصله إلى التعاسة والشقاء والضنْك.
كل هذه المظاهر كانت نتيجة أن هؤلاء قد غفلوا عن أمور جوهرية ثلاثة فيما يتعلق بإشباع الجوعات الإنسانية ؟
أولها، أنه إذا كانت الحاجات العضوية كالأكل والشرب والنوم، وبعض الغرائز كغريزة النوع والبقاء تشبع إشباعًا ماديًا، فإن غريزة كغريزة التدين ليس من شأنها أن تشبع إلا إشباعًا روحيًا، بوصفها شعورًا بالحاجة إلى الخالق المدبر وتوجهًا نحو إقامة الصلة معه. فلما أغفل الغربيون أمر القيمة الروحية أحدثوا فجوة كبيرة في الوجدان البشري جعلته كاللطيم في هذه الحياة.
أما الثاني، فإن المشكلة المهمة فيما يتعلق بالحاجات العضوية والغرائز، إنما هي كيفية الإشباع وليس الإشباع بحد ذاته. فالأمر الطبيعي بالنسبة للإنسان أن تتيسر له وسائل الإشباع، فهو يجد الطعام الذي يأكله واللباس الذي يلبسه والمال الذي يريد والجنس الذي يشتهي، ويستطيع أن يستخدم الأشياء التي حوله للإشباع في أي وقت يشاء. فالحالات التي تكون فيها وسائل الإشباع نادرة ومفقودة هي حالات استثنائية غير طبيعية تعالج في أوانها.
أما كيفية الإشباع، أو تنظيم الإشباع، فهو الذي من شأنه أن يؤدي إما إلى سعادة الإنسان وإما إلى شقائه.
فالقضية ليست: هل يأكل الناس أم لا يأكلون أم كم يأكلون، ولا هل يلبسون أم لا، ولا كم يتملكون، ولا هل يعاشر رجالهم نساءهم أم لا يتعاشرون، بمعنى آخر، ليست: هل يعيشون أم لا يعيشون. بل القضية هي: ماذا وكيف يأكل الناس وكيف يلبسون، وكيف يتملكون وكيف يتعاشر رجالهم ونساؤهم. بمعنى آخر القضية هي: كيف يعيشون ؟