ولكن التاريخ جاء فيما بعد ليثبت أن الكيان الإسلامي كان ينتظر حضارة واحدة على قدر من الرقي والنهوض، تقف بمواجهته حتى تتزعزع أركانه وينهار بنيانه. فإذا كانت الأمة الإسلامية قد تغلبت في الماضي على جميع الأمم فكريًا بسبب المبدأ العظيم الذي تحمله وتحسن فهمه وتطبيقه، وانتصرت عسكريًا بسبب قوة إيمانها وطاقتها الروحية وحبها للجهاد والشهادة في سبيل الله، فقد جاء الوقت الذي يقوم فيه كيان جديد يواجه المسلمين حضاريًا وفكريًا بما يحمله من مبدأ جديد، ويواجههم عسكريًا بما يتمتع به من قوة صناعية وتكنولوجية. ألا وهو كيان الحضارة الغربية المعاصرة الذي تكاملت صورته مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي. ولسنا هنا بصدد البحث في الصراع العسكري والمادي الذي نشب بين الدولة الإسلامية والدول الغربية، فبحثنا منصبّ على الاحتكاك الفكري والثقافي بين المسلمين وسائر الثقافات والحضارات. إلا أن ذلك الصراع العسكري والمادي يكتسب أهميته في البحث لما أسفر عنه من تفوق للغرب على الدولة الإسلامية ومن ثم انتصاره عليها، الأمر الذي أصاب المسلمين بصدمة عنيفة أفقدتهم ثقتهم بأنفسهم وحضارتهم وثقافتهم وتشريعهم، فكانت تلك أعظم صدمة وأبلغ إصابة أصيبت بها الأمة الإسلامية، ولولا أن تلك الأمة تحمل رسالة الله الخالدة إلى يوم القيامة، لحقّ للباحث المراقب أن يقول إن تلك الصدمة كانت هي الإصابة القاتلة للأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية.