ثم إن المسلمين يعتقدون أن الله خاطب في الشريعة الإسلامية جميع البشر، وحرم عليهم وضع التشريعات حين قال: {إنِ الحُكمُ إلاّ لله} (1) ، وقال سبحانه: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} (2) ، ويرون أن كل من لا يؤمن بالشريعة الإسلامية كافر، فهم يعتقدون أن أي حكم غير حكم الإسلام، هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه. فمن يعتقد هذا الاعتقاد ويعمل به لا يمكن أن يأخذ غير حكم الإسلام. ولاسيما في العصر الأول عصر الفتوحات وهو العصر الذي استقر فيه الفقه الإسلامي وازدهر وتبلور لدى مذاهب فقهية عظيمة الشأن إلى يومنا هذا كالمذهب الشافعي والحنفي والمالكي وغيرها. فالمسلمون يفتحون البلاد لإنقاذ أهلها من حكم الكفر، فكيف يأخذون حكم الكفر الذي جاؤوا ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم الإسلام؟! فالحقيقة والواقع المحسوس أن الفقه الإسلامي أحكام مستنبطة مستندة إلى الكتاب والسنة، أو إلى ما أرشدا إليه من أدلة. وإن الحكم إذا لم يكن مستندًا إلى دليل شرعي، لا يُعَدّ من أحكام الإسلام، ولا يُعَدّ من الفقه الإسلامي.
وهكذا كان وجود المجتهدين والفقهاء وما يُجْرونه من مناظرات ومناقشات فقهية وتنافس على درك الرأي الأصوب في المسائل الفقهية، كان كل ذلك صمام الأمان للمجتمع الإسلامي، والضمان لمعالجة أي خلل يمكن أن يطرأ على المجتمع الإسلامي. ولذلك كانت الطامة الكبرى حين انزلق المسلمون في قضية إقفال باب الاجتهاد. فقد كان ذلك يعني أن الحيوية الفكرية الأساسية لدى المسلمين والتي هي سبب ارتقائهم ونهضتهم قد حكم عليها بالإعدام. وربما كان ذلك الحكم هو أكثر الأحكام جورًا وظلمًا في التاريخ الإسلامي. فقد أصبح واجبًا على كل المسلمين بما في ذلك العلماء والفقهاء أن لا يخرجوا عن أطر المذاهب التي استقرت قبل إقفال باب الاجتهاد.
(1) - سورة الأنعام - الآية (57) .
(2) - سورة الأعراف - الآية (3) .