الصفحة 149 من 188

والصوفية على خطرها وفسادها ومجانبتها للإسلام لم تكن تقوى على مزاحمة العقائد الأساسية لدى المسلمين. وفكرة"عصمة الأئمة والوصاية بالخلافة"لم تتعد أتباع بعض المذاهب التي عرفت بالإمامية، ولم تجد قبولًا لدى الغالبية العظمى من المسلمين، فضلًا عن كونها فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، بل لقد خالفها أتباعها وحملتها أنفسهم حين مارسوا السياسة والحكم بمعزل عنها، سواء على يد البويهيين أو الفاطميين أو الصفويين أو غيرهم.

والأهم من ذلك كله أن أصحاب السهم الأكبر والأعظم في تشكيل الرأي العام والتوجيه الثقافي في العالم الإسلامي كانوا"الفقهاء". وهؤلاء كانوا بكل تأكيد بعيدين عن التأثر بالثقافات والأفكار غير الإسلامية. فلقد كانت أبحاثهم تنصبّ على دراسة اللغة العربية لغة القرآن والسنة، وعلى فهم المدلولات اللغوية والشرعية للقرآن والسنة من أجل استنباط الأحكام الشرعية وضبط سلوك المسلمين بها. فحياة المسلمين وعلاقاتهم في مجتمعهم ودولتهم كانت تسيّرها مجموعة الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، ولم يكن لحاكم أن يفكر في استبدال أنظمة وضعية بالأنظمة الإسلامية أو أن يتجرأ على ذلك.

وأما ما حاول بعض المستشرقين وأتباعهم من المثقفين المتغربين ترويجه من أن الفقه الإسلامي قد تأثر بغيره من التشريعات، ولاسيما التشريع الروماني، فلا أساس له من الصحة، بل هو حقًا خرافة لا حظّ لها من الحقيقة.

ذلك أنه لم يرو أحد أن واحدًا من المسلمين، فقهاء أو غير فقهاء، قد أشار إشارة إلى الفقه الروماني لا على سبيل النقد ولا على سبيل التأييد، ولا على سبيل الاقتباس، ولم يذكره أحد لا بالقليل ولا بالكثير، مما يدل على أنه لم يكن موضع حديث، فضلًا عن أن يكون موضع بحث. وإن بعض المسلمين ترجموا الفلسفة اليونانية، ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أي كلمة أو جملة فضلًا عن كتاب، مما يبعث على الجزم أنه قد ألغي وطمس من البلاد بمجرد فتحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت