الصفحة 148 من 188

والذي يُنعم النظر في التاريخ الفارسي وحضارته يدرك مدى الارتباط بين الثقافة الفارسية وفكرة"عصمة الأئمة". فلقد كان الملك الفارسي يحكم الناس بصفته ممثلًا للإرادة الإلهية، بل كان الفارسيون يعتقدون"أن قرارات الملك وأحكامه إنما يوحيها إليه الإله نفسه، وعلى هذا الأساس كان قانون المملكة مستمدًا من الإرادة الإلهية وكان كل خروج على هذا القانون يعد خروجًا على إرادة الإله" (1) . وليس من قبيل المصادفة على الأرجح أن فكرة عصمة الأئمة نشأت وترعرعت في بلاد فارس ولا زالت تتركز فيها إلى اليوم. وعلى كل حال، فإن فكرة الحكم بموجب التفويض الإلهي كانت منتشرة في تلك العصور، بحيث يندر أن تخلو منها دولة من الدول.

هكذا دخلت المؤثرات الحضارية والفكرية الواحدة تلو الأخرى إلى الميدان الثقافي في الأمة الإسلامية، ما أفقد المسلمين نقاء الفكر وصفاءه ووضوحه إلى حد من الحدود.

إلا أنه بأي حال من الأحوال، لم يصل الأمر إلى أن يفقد المسلمون هويتهم، أو تتغير حضارتهم وتُسلب شخصيتهم. فكل تلك المؤثرات لم تكن في يوم من الأيام لتقوى على إيمان المسلمين بعقيدتهم وثقتهم بتشريعهم ومفاهيمهم الإسلامية. فلا زالت العقيدة الإسلامية هي القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها أفكارهم، ولا زال القرآن والسنة وما أرشدا إليه مصادر التشريع لديهم. وعلماء الكلام إنما كانوا يبذلون طاقتهم وجهدهم في دراسة المنطق بغاية تثبيت العقيدة الإسلامية، وجعلوا العقيدة الإسلامية أساسًا لأبحاثهم. والفلاسفة الذين ظهروا بين المسلمين بقوا أفرادًا ولم يكن لهم شأن يذكر في الرأي العام.

(1) - ول ديورانت - قصة الحضارة - ج2 - ص (418) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت