وقد يكون الحامل على العزلة ظن بعض العاملين أنه يعيش مع الجماعة وانتمائه إليها يلغى ذاتيته ، وتذوب شخصيته فيبقى إمعة ، إن أحسن الناس أحسن ، وإن أساءوا أساء ، مع الغفلة عن منهج الإسلام في التوفيق بين الفردية والجماعية ، إذ يقول هذا المنهج على دعوة الفرد إلى أن يعيش في كنف الجماعة ، ويستظل بظلها على النحو الذي قدمنا في الوقت الذي يؤكد فيه أنه مسئول مسئولية كاملة عن كل تصرف يقع منه فيقول له:
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى }
{ كل نفس بما كسبت رهينة }
{ لا تجزى نفس عن نفس شيئًا }
{ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره }
{ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى }
وأن عليه أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد في الجماعة مهما علا كعبه ، ومهما عظمت مكانته (الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (1)
(المؤمن مرآة أخيه والمؤمن أخو المؤمن يكف عن ضيعته ويحوطه من ورائه) وفي رواية: (المؤمن مرآة أخيه إن رأي فيه عيبًا قومه) .
ولقد عاش الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وعاش المسلمون بعضهم مع بعض فما رأينا فردًا ذابت شخصيته أو تلاشت فرديته في الجماعة وإنما رأينا النصيحة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما قول بعضهم لعمر: (لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا) عنا ببعيد.
وبهذه الدعوة ينشأ ويبنى في نفس المسلم كيان داخلي متميز واضح المعالم والحدود ، وتبقى أعصابه صاحية منتبهة لكل ما يمسه ، ولو من بعيد.
إن هذا الظن ، وهذه الغفلة ينتهيان بالعامل لا محالة إلى أن يلجأ إلى العزلة ، فيصاب بآفة من أخطر الآفات.
4-الغفلة عن طبيعة تكاليف مخالطة الجماعة والعيش بين الناس:
(1) الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب ، باب النصيحة 4/286 رقم 4944 من حديث تميم الدارى مرفوعًا نحوه.