وكذلك فقه هذا النفر النصر بمعناه العرفي وهو تحرير الدار والأرض من سيطرة الغاصب المحتل، وغاب عن بالهم معناه الاصطلاحي وهو التحرر من سيطرة الباطل، سواء أكان ذلك في النفس أم في واقع الحياة.
فقهوا الجهاد والنصر بالمعنى العرفي الضيق، لا بالمعنى الاصطلاحي الواسع، وحين لم يتحقق لهم شيء من هذين تطيروا وتشاءموا، وهكذا كل من لم يفقه الجهاد والنصر الفقه الصحيح يقع في التطير والتشاؤم.
6 -كثرة المحن والابتلاءات مع الغفلة عن أسرار هذه المحن وتلك الابتلاءات:
وذلك أن المسلم إذا نظر إلى واقعه، وواقع أمته اليوم، ورأى كثرة وتتابع المحن، والابتلاءات، في نفسه، وفي أهله، وولده، وذويه، وإخوانه، وماله، وغفل عن أسرار هذه المحن وتلك الابتلاءات، من أنها قد تكون لتقويم العوج: {ولقد صدقكم الله وعدة إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} (آل عمران: 152) .
وقد تكون لتمحيص المؤمنين ومحق الكافرين {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} (آل عمران:141) ، {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} (آل عمران: 179) ، {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منهم والصابرين ونبلو أخباركم} (محمد: 31) .
وقد تكون تكفيرا للسيئات، ورفعا للدرجات بالنسبة للمؤمنين مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"، (1)
"إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه"، (2) وقد تكون لغير ذلك.
(1) - الحديث سبق تخريجه في الجزء الثاني، آفةة:"ضعف أو تلاشي الالتزام".
(2) - الحديث سبق تخريجه.