ومن الأعمال العلمية ما لا يكتملُ حصوله على وجهه الأتم، إلا في الأوقات التي تصفو فيها الأذهان، وتَنشَطُ فيها القرائح والأفهام، وتكثُرُ فيها البركات والنفحات، كساعات الأسحار والفجر والصباح وساعات هدأة الليل والفراغ التامّ والسكون الكامل للمكان.
فينبغي أن تنتهز هذه الساعات الصافية، والأوقات المباركة، لحل المشكلات العويصة، والمعضلات الصعبة، وتنقيح المسائل المتشابكة، وتصويب التصحيفات والتحريفات المستعصية، واستفتاح العبارات المغلقة الغامضة، وحفظ النصوص المستظهرة، وأمثال ذلك )) .
سادسًا: الابتعاد عن الناس، وقلة المعاشرة لهم، والتقليل من الارتباطات المشغلة مع الأصدقاء والأقرباء، فلا يصاحب إلا طالب علم يحاوروه فيه، ويناقشه في مسائله، ويرفع همته في طلب العلم، ويعين عليه، قال الإمام الزرنوجي في (( تعليم المتعلم ) )ص85: (( ولا بدَّ لطالب العلم من تقليل العلائق الدنيوية بقدر الوسع، ولهذا اختاروا الغربة ) )، وقال الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة ( في(( قيمة الزمن ) )ص60: (( والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام، أو حاجة مهمة لمن يلقى، وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضَيَاع الليل. ومن نَظَرَ في سِيَرِ السلف، وآمَنَ بالجزاء، بَانَ له ما ذكرته ) ).
قال الشاعر:
لقاءُ الناس ليس يفيدُ شيئًا
سوى الهَذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا
لأخذ العلم أو إصلاح حال
[كما في معجم الأدباء 17: 286]
وقال العلامة الجوهري (:
لو كان لي بدٌّ من الناس
قطعت جبل الناس بالياس
العِزٌُ في العُزْلة لكنّه
لا بدَّ للناس من الناس
[كما في السعاية على شرح الوقاية 1: 23]