[ج 1: ص 83] فلبس لأمته، ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، ثم قالوا: يا رسول اللَّه! استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، إن شئت فاقعد صلى اللَّه عليك، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في شوال يوم السبت في ألف رجل، واستخلف على المدينة ابْن أم مكتوم، وصلى المغرب بالشيخين في طرف المدينة، وقد قيل بالشوط. ثم عرض المقاتلة فأجاز من أجاز ورد من رد، فكان فيمن رد: زيد بْن ثابت، وعبد اللَّه بْن عمر، وأسيد بْن ظهير، والبراء بْن عازب، وعرابة بْن أوس الحارثي، وأبو سعيد الخدري. وأجاز: سمرة بْن جندب؛ وأما رافع بْن خديج فإن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم استصغره فقام على خفين، وتطاول على أطرافه، فلما رآه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أجازه. وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو حثمة الحارثي، فقال عَبْد اللَّه بْن أبي لمن معه: أطاعهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا معه، أيها الناس! ارجعوا؛ فعزل من العسكر ثلاثمائة رجل ممن تبعه، ورجع بهم المدينة. ومضى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سبعمائة رجل وسلك حرة بني حارثة، ثم نزل حتى مضى بالشعب من أحد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد حتى آمره. ثم أمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على الرماة عَبْد اللَّه بْن جبير، أحد بني عمرو بْن عوف، وهم خمسون رجلا، وقال: انضح عنا الخيل لا يأتونا من خلفنا إن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. ثم ظاهر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في درعين، وأعطى اللواء علي بْن أبي طالب، وقال: من يأخذ مني هذا السيف بحقه، قال أبو دجانة سماك بْن خرشة: وما حقه يا رسول اللَّه؟ قال: تضرب به في العدو حتى ينحني، فقال: يا رسول اللَّه! أنا آخذه بحقه؛ فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصب بها رأسه، فإذا رأوا ذلك علموا أنه سيقاتل؛ فأخذ السيف من رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأخرج عصابة فعصب بها رأسه، ثم أخذ يتبختر بين الصفين، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنها لمشية يبغضها اللَّه إلا في هذا الموطن". وتعبأت قريش وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بْن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بْن أبي جهل، وقال أبو سفيان بْن حرب لأصحابه: إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا مالوا؛ فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه؛ فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك، ستعلم كيف نصنع!