فهرس الكتاب

الصفحة 9848 من 23694

فالبعض يتمسك بالتراث الموروث باسم الأصالة لأسباب من قوة الاستمرار، أو الألفة والقداسة أو تحجر الفكر، أو الحفاظ على المواقع بالمكتسبة في ظله، فيتنكر لكل حداثة وتجديد. والبعض الآخر يستعين بالمستجدات الحديثة لزحزحة التراثيين عن مواقعهم زحامًا على المكاسب والمغانم. اختلاف في المواقف كان من ضحاياه المستضعفون من أصحاب الحداثة والأصالة على حد سواء.

على أن البعص الثالث من المستنيرين الأحرار، كان يصالح بين الأصالة والحداثة في معادلة ذكية تجمع بين محاسنهما وتستبعد شوائبهما سلمًا أو حربًا. ومن معادلة إلى أخرى أذكى وأشمل في شتى المعارف والعقائد والعلوم، أوجدوا عصرًا متطورًا مستنيرًا بعد عصر. وهكذا الأمر حتى انتهينا اليوم إلى هذا الوعي المعاصر المتماسك اللامحدود، محصلة محاولات موفقة لا حصر لها من التصالح والتآخي بينهما في شتى المجالات، مما يشير إلى وحدة الوعي في الوجود.

ولذلك فإن أصحاب (الأصالة والحداثة) في أي مجال، إذا لم يعتمدوا ما توصل إليه الوعي المعاصر في شتى القطاعات الاجتماعية والثقافية والعلمية، تظل بحوثهم ومواقفهم قاصرة بمسافة ما يبتعدون عنه غفلة أو تغافلًا. وبالمقابل، فإنهم بمقدار ما يعتمدون هذا الوعي، تتاح لهم الفرص المواتية كيما يكشفوا عن جذور (الأصالة) أعمق وأصدق، ويلائموا بينها وبين (الحداثة) على الواقع الراهن بما هو أشمل وأحكم.

فالمآخذ التي تعرضت لها دراسات أصحاب (الأصالة والحداثة) في الحرف العربي مثلًا، تعود إلى عدم اعتمادهم ما استجد من العلوم التاريخية والأثرية والصوتية والجمالية والنفسية والفلكية والجيولوجية. وما أبريء دراستي من هذا المطعن ذاته.

فبين الأصالة والحداثة حوار أبدي، هو حصاد حيوية وعصارة جهد ومحرض تطور ومخاض ولادة، لولاه لبهتت الحياة وتاهت: رتابة قديم لا جديد له، وانفلات حديث بلا ضوابط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت