فهرس الكتاب

الصفحة 9764 من 23694

ونحن هنا بعيدون من أن نذهب هذا المذهب الميتافيزيائي الصرف. وإنما نكتفي فننوّه بالأواصر التي تربط بين الناس على المعمورة، وباستفادة بعضهم من تجارب الآخرين في مختلف الميادين مادية وروحية، واقتباسهم شعلة التراث الإنساني جيلًا بعد جيل وحمل بعض الأمم نبراسها بعد بعض وزيادة إيقاد تلك الشعلة لتبديد الجهل والظلام، وتقليل البؤس والشقاء، وللتحرير من الافتئات والاستغلال ولتوطيد أركان السلام، وإسباغ التعاون والوئام، والسعي للوصول إلى حياة كريمة واسعة فاضلة.

ولم يكن الناس أشد شعورًا بالأواصر التي تصل بينهم وتجمع بين قلوبهم وأمانيهم منهم في هذا العصر الحديث على الرغم من التشادّ الظاهر والتنازع الكامن. فلقد ازداد عددهم ازديادًا كبيرًا، وتقدموا في ميادين العلم والصناعة، وتفننوا في الوسائل الداعية إلى التعارف، فانتشرت الصحف والمجلات التي تحمل أخبار المجتمعات انتشارًا واسعًا، وشاعت الإذاعات التي تبث أمواجها فتبلغ كل مكان على المعمورة ووصل الهاتف السلكي واللاسلكي بين الأقطار المتنائية وصله بين الأقطار الدانية. ثم ان القطارات والسيارات والسفن وعابرات المحيط والطائرات المروحية والنفاثة قربت بين جوانب الأرض، ويسّرت الرحلات والأسفار واختصرت الأزمنة والمسافات. ولا ينفك العلم والتقانة يتقدمان تقدمًا مطردًا ومستمرًا. ورافق ذلك كله أن اشتد الاهتمام بالأمور الاقتصادية في العصر الحاضر فعمدت الدول إلى زيادة الإنتاج وتحسينه وإلى تبادل السلع والغلات وإلى البحث عن الأسواق استيرادًا وتصديرًا. وكذلك اشتد التسابق في مضمار الثقافة والابتكار والتففن كما اشتد الانتباه للأحداث السياسية في مختلف البلدان، إذ أصبح الحدث السياسي في قطر لا يعدم له صدى وأثرًا في بقية الأقطار وسائر الشعوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت