وقد اشتغل الأندلسيون والمغاربة في أماكن حساسة وهامة من أماكن الخدمة العامة، مثل النقل البحري، الذي عمل فيه عبد الله التونسي. ويذكر ابن بطوطة أنه شاهده بمدينة جدة سنة 732هـ/ 1332م، وقال أنه كان يمتلك مركبًا يعمل فيه لحسابه الخاص، وينقل الركاب والمسافرين من مدينة جدة إلى ناحية القصير التابعة لمدينة قوص المصرية وهكذا (69) وخدم بالأماكن المقدسة محمد بن محمد المغربي المتوفى سنة 868هـ/ 1464م واستطاع أن يجمع من وراء عمله هذا بعض المال، على الرغم من أنه كان يتظاهر دائمًا بالحاجة والفقر (70) واشتغل بحرفة الدهان بالمدينة عبد الله بن إبراهيم المغربي المعروف بالزعبلي، وكانت هذه الحرفة مصدر عيشه، مع بعض الأعمال الأخرى، التي كان يقوم بها، وهي خدمة الحجاج في أيام موسم الحج. وظل هكذا حتى مات سنة 885هـ/ 1481م (71) .
وفي مصر كثر هؤلاء ولا سيما في المدن الكبرى مثل القاهرة والاسكندرية وبعض الحواضر، التي كانت محطة للمسافرين من مصر والقادمين إليها، مثل مدينة قوص، التي عرفت كثيرًا من هؤلاء، مثل محمد بن أحمد الجزيري المتوفى سنة 639هـ/ 1242م، الذي سكن هذه الناحية، وعمل فيها بحرفة تجليد الكتب وترتيبها وتصفيفها، وهو من شخصيات مدينة بلنسية الأندلسية المعروفة (72) واشتغل أحدهم بحرفة الخياطة بمدينة القاهرة، هو محمد بن يوسف الزواوي المتوفى سنة 807هـ/ 1405م، الذي وصفه السخاوي، أنه كان خبيرًا ومتسامحًا (73) وبالحرفة نفسها اشتغل محمد بن عبد الله التونسي أبو عبد الله المتوفى سنة 888هـ/ 1483م بمدينة الاسكندرية على الرغم من تضلعه في العلوم الدينية واللغوية والحساب. وهذا يدل على أن هذه الحرفة كانت من الحرف، التي تدر على صاحبها المال والثروة وكان يمارسها في بيته الذي يسكنه (74) .