ويستغل غير واحد من الشعراء ظاهرة هيج البحر وفيضان أمواجه في المديح فلا يعللونها تعليلًا علميًا بل تعليلًا خاصًا موجهًا، فيستفيدون منها في صنع صورة مدحية جديدة تبرز عظمة الممدوح الكونية وآثره في عناصرها يقول أبو جعفر بن عاصم: ... تترى على سيفه في يوم أهوال
"وقفت بالبحر والأمواج فائضة"
فقلت ما ذاك هول فيه بل ولجت ... في لج موجته كف ابن كمال" (19) "
وفي صورة موسعة يبدأ عبد الله بن حيوس بمخاطبة البحر بداية توهم بأنه يريد وصفه، بيد أنه يوجه الخطاب ويديره لصالح ممدوحه، فيقارن بين البحر الطبيعي وممدوحه البحر الذي سكن بجوار البحر الذي يطغى ويهيج لاشتراكهما ولكن هذا الاشتراك لفظي لا غير، وفي الصورة تفاصيل جزئية كثيرة تغنيها وتصب كلها في غرض المديح يقول: ... وخيم في أرجائك النفع والضر
"ألا أيُّهذا البحر جاورك البحر"
وجاش على أمواهك العقل والحجى ... وفاض على أعطافك النهي والأمر
وسال عليك البر خيلًا، كماتها ... إذا حاولت غزوًا فقد وجب النصر
لعلك يطغيك اشتراك سمعته ... فذلك بحر لا يشاكله بحر
فأنت خديم الشمس والبدر عنوة ... وتخدمه في أمره الشمس والبدر
وقد وسع الأيام جودًا ونجدة ... وليس لما تأتي به عنده قدر
وما لك من معنى تشاركه به ... سوى خدع في النطق زخرفها الشعر
وما لك من شيء يشير إلى التي ... تفوه بها إلا السلاطة والهذر
وليس اشتراك اللفظ يوجب مدحه ... ولكنه إن وافق الخبَرَ الخُبْر" (20) "
وقد يرد وصف البحر جزئيًا عارضًا ضمن موضوعات مختلفة كالمديح والغزل فابن حمديس يمدح قومه ويَذْكُرُكَمْ له من صديق صدوق شجاع يحارب في البحر، فيقف قليلًا ليشبه البحر وفقاقيعه بالدروع المحكمة النسج يقول: ... يحل بيمناه دم العلج، مُحْرَمُ
"إذا فرت الأبطال كرَّ وسيفه"
يموج به بحر كأن حبابه ... عليه دِلاصٌ سردُها منه محكم" (21) "
وتبقى صورة معروفة مقتضبة للموج من القرآن الكريم ذكرها الأعمى التطيلي في أثناء حديثه عن طيف الخيال يقول: ... ليسلك بين الهضب والموج كالهضْبِ