فهرس الكتاب

الصفحة 9689 من 23694

ولعلي أقرأ هذه الصور الرائعة قراءة مخالفة لما قرأها الأستاذ بومدين كروم، فهو لم ينتبه لكون الخضرة تطلق على السواد أيضًا فيظن أن الشاعر"ينعت البحر بالخضرة"، وهذا لا يتناسب مع البيت الثالث حيث وصفه بالدهمة أي السواد. في البيت الأول رصد الشاعر لون البحر وصوته وحركته ومسبب هذا الصوت وهذه الحركة ولم يشر الدارس إلى المفارقة بين هذا البحر المضطرب الأمواج المرتفع الأصوات وبين مسبب هذه الحركة وهذا الصوت وهي رياح الصبا اللطيفة الهادئة وقد تبين- مما تقدم- أن الموقف يتكرر فما المقصود بذلك؟ في ظني أن المقصود تهويل الموقف والتخويف من البحر، فإذا كانت الريح الرقيقة تصنع به هذا الصنيع كله فكيف يصير عندما تعصف به الزوابع والأعاصير، والشاعر من ناحية ثانية لا يصف حركة عينه- كما ذكر الدارس- وهي تتهم وتنجد أي تنخفض وترتفع فهذه الدلالة اللفظية الأولى للصورة، أما دلالتها المرجعية فهي ارتفاع الأمواج وهبوطها، وهي- بعد ذلك- ليست مجرد نقل صور الطبيعة الخضراء إلى البحر فهي صورة مشرقية معروفة وقد استعملها الشاعر نفسه غير مرة، وهي تحمل في أعطافها حنينًا خفيًا إلى تهامة ونجد وشعر المشرق. والجدير بالذكر أن الشاعر في البيت الثاني لا يشبه فحرف التشبيه"كأن"تنتقل وظيفته إلى التقريب ليفسح المجال للاستعارة التي تعبر عن تماثل ومطابقة وتغاير لا تشابه، وأخيرًا فإن هذا"الأدهم الريض"الذي سيركب ظهره الشاعر ليس سفينة أو مركوبًا- كما ذكر الدارس بل البحر نفسه المرتاع من صراعه مع الريح التي ما تني تجلده فيجري كالقرم ويزبد ازباده. وفي إطار وصف الطبيعة والتمهيد للمديح يتفرد ابن عبدون برؤية كونية نفاذة في جعله البحر- في تموجه- دروعًا وزبده فرندا للسيوف ومن ثم في اليابسة الأرض هذا الدرع ليحميها يقول:

والأرض قد لبست أدراع أبحرها

من كل درع نسيج الريح غضَّنها ... وصارم بالحباب اعتاض من أثر (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت