بدقة وعمق كبيرين صنع ابن خفاجة لوحته الرائعة من ألوان معروفة وشكل بها صورًا غزيرة بسيطة في آن، جزئية عديدة مناسبة ينظمها خيط شعوري وجداني واحد. ... فتتهم فيه العين طورًا وتنجد
وفي لوحة أخرى مقاربة يظهر فيها ابن خفاجة ضروب التفتي والشجاعة فيقطع القفار السحيقة كما قطعها أسلافه القدماء ويزيد عليهم بقطعه البحار العميقة يقول:
وأخضر عجاج تدرجه الصبا
كأن فؤادًا بين جنبيه راجفًا ... يقوم به نأي الحبيب ويقعد
سأركب منه ظهر أدهم ريض ... مروع بسوط الريح يجري فيزبد
وأمضي فإما بيت نفس كريمة ... يهد، وإما بيت عز يشيد (16)
يقول الأستاذ بومدين كروم في التعليق على هذه الأبيات الجميلة:"وابن خفاجة وهو ابن الطبيعة الخضراء بجبالها وسهولها وحيوانها، كثيرًا ما يستولي عليه حبها فيخلع صفاتها على موصوفاته منها فهو هنا يقف أمام البحر يتأمل أمواجه وقد درجتها الصبا فارتفعت وانبسطت واضطربت فيمثل لاضطرابها برجفة قلب عاشق ولهان أقامه وأقعده بعد حبيبه عنه، وينعت البحر بالخضرة، ويصف حركة عينه، وهي تتابع البحر في تموجه وانبساطه بأنها تتهم وتنجد كما يصور لنا مركوبه الذي سيخوض به عباب البحر بأنه أدهم لا يروعه غير سوط واحد يجري له ويزبد هو سوط الريح وكأني بالشاعر في هذا الوصف لم تطاوعه مخيلته في رسم هذا المشهد الماثل أمامه فظل مشدودًا ببصيرته إلى أرضه بما فيها من ظواهر حية وصامتة ينظر إلى البحر من خلالها ويصفه بأوصافها" (17) . ... وجردت فوق أيديها ظبا الغدر