وقبل البدء بتحليل هذه الأبيات حقيق بي أن أقيد بالقول ظاهرة جديدة مهمة وهي أن الشاعر الأندلسي يذهب إلى الشاطئ- مرارًا- ويزور البحر ويقف قبالته متأملًا واصفًا معللًا هذه الظاهرة الطبيعية العجيبة وخصوصًا حركة الأمواج وضجيجها وازبادها، ويجنح ابن خفاجة إلى تعليله تعليلًا خاصًا فيمنح البحر صفات إنسانية تجسيدية وتشخيصية- والتجسيد والتشخيص- في شعر البحر في الأندلس- عامة- وفي شعر ابن خفاجة- خاصة- قضيتان مهمتان، وما أود قوله- هنا- هو: أن الشاعر قد علل حركة الأمواج بصفتين إنسانيتين نفسيتين تحدثان هذه الحركة في جسد الإنسان وهما الفرق والعشق، فالبحر يخاف ويخشى ولكن لماذا يخاف وممن أو مم يخشى وهل يخاف الريح أو غيرها من عناصر الطبيعة أم يخشى الإنسان؟، والبحر يعشق ولكن من أو ما يعشق، وهل يعشق الإنسان فتضطرب جوارحه فيغرقه ليضمه ويستأثر به لنفسه، ويشي تجاور هذين الفعلين وارتباط العشق بالخوف إلى وضع اجتماعي صارم يقمع الحب ويحظره ولكن البحر عاشق أزلي خالد، لذلك لا تتوقف أحشاؤه عن الخفقان، وبعد وصف المكان يأتي الحديث وهو مشارفة الأمواج وصف حالها التي تشخص تشخيصًا حيوانيًا فيصف اضطرابها وهياجها وازبادها ولكن الغريب أن سبب هذا كله هو رياح الصبا اللطيفة الناعمة فتجعل الأمواج تقلق فتزمجر وتزبد، أما الصورة الأخيرة المتخيلة التي ترصد حركة الأمواج الدائرية، فهي تحمل حلمًا منغومًا جميلًا متمثلًا في حياة الفروسية والنبلاء العابقة بنشوة النصر وأريجه وتحمل أمنية أكبر في السيطرة على البحر وركوبه وقياده كما يسيطر على الفرس الجموح ويركب ويقاد، أوليس الفن في بعض حالاته"فعل تعويض عن انعدام وحدة التناغم بين الإنسان والوجود" (15) . ولا بد من الإشارة إلى دقته الشديدة في جعله الفرس أبلق أي أسود في أبيض ليظهر لمعان الموج أو زبده، فالصورة إذن في المساء أو في الليل والبحر في ذلك الوقت مفضض الأديم.