وكذلك سأله عن أرضه، فأجابه إجابة فصيحة معبرة تشبه أن تكون متنًا لغويًا غرضه حفظ بعض الألفاظ الغريبة... فخلص النعمان من ذينك الجوابين إلى أن سعدًا رجل محنك وبليغ، فقال له: وأبيك إنك لمفوَّه. وشاء أن يعجز عن الجواب فأمر وصيفه بلطم سعد، لعله يتعدى بالقول فيقتله. وقال له النعمان: ما جواب هذه؟ فقال سعد: سفيه مأمور. فأرسلها مثلًا. فضربه ثانية، فقال سعد في جوابه: لو نهي عن الأولى لم يعد للأخرى فلطم سعد ثالثة، فقال للنعمان: رب يؤدب عبده. ولطم مرة رابعة، فقال النعمان: وما جواب هذه؟ قال سعد: ملكت فأسجح. فقال النعمان: أجبت فاقعد. فمكث عنده ما مكث. ثم إن النعمان أرسل عمرو بن مالك أخا سعد ليرتاد له الكلأ، فأبطأ عمرو، فغضب النعمان وأقسم أن سيقتل عمرًا، سواء مدح الكلأ أم ذمه. فلما قدم عمرو دخل إلى النعمان وعنده الناس، فاستأذن سعد النعمان أن يكلم أخاه. فأبى... فطلب منه أن يقرع له العصا، فسمح له، فتناول سعد عصا من بعض جلسائه، وأخذ عصاه، وكان أخوه قائمًا، فقرع بعصاه العصا الأخرى، ثم أومأ بالعصا نحو أخيه، فعرف أنه يقول له مكانك... ثم قرع العصا قرعة واحدة ثم رفعها إلى السماء، ثم مسح عصاه بالأخرى، فعرف أنه يقول: قل لم أجد جدبًا. ثم قرع العصا مرارًا بطرف عصاه، ثم رفعها شيئًا فعرف أنه يقول: لا نباتًا. ثم قرع العصا قرعة واحدة، وأقبل بها نحو النعمان فعرف أنه يقول: كلِّمه! فأقبل عمرو بن مالك، حتى وقف بين يدي النعمان، فقال له النعمان: هل حمدت خصبًا، أو ذممت جدبًا؟ فقال: لم أحمد بقلًا، الأرض ممسكة لا خصبها يعرف، ولا جدبها يوصف. رائدها واقف، ومنكرها عارف، وآمنها خائف. فقال النعمان: أولى لك، بذلك نجوت...! فنجا. وهو أول من قرعت له العصا. فقال سعد بن مالك لقرعه العصا:
قرعت العصا حتى تبين صاحبي
فقال: رأيت الأرض ليست بممحل ... ولا سارح منها على الرعي يشبع
سواء فلا جدب فيعرف جدبها ... ولا صابها غيث غزير فتمرع