وكان الحكم بن عبدل الشاعر الأموي الهجَّاء الخبيث اللسان، صاحب طرف ونوادر (10) ، وله أشعار كثيرة في صنوف الحيوان والحشرات والطير ليست تخلو من طرافة وفكاهة (11) ، ومنها قصيدة له في سنور له مات فقال يتفجع عليه، ويذكر أيامه ويصف جنازته ومأتمه (12) . ... كانت لميثاء حقبة سكنا
سقيًا لسنورة فجعت بها
لو أصبحت عندنا جنازتها ... لحنطت واشتري لها كفنا
ثم جمعنا صحابتي وغدوا ... فيهم كريب يبكي وقام لنا
كل عجوز حلو شمائلها ... كانت لجرذان بيتنا شجنا
من كل حدباء ذات خشخشة ... أو جرذ ذي شوارب أرنا
وقد تطور هذا الفن لدى المحدثين من شعراء العصر العباسي تطورًا واسعًا جدًا، فاختص به عدد كبير من الشعراء الذين جعلوا معظم أشعارهم في الطير والحيوان، فاتسعت أبوابه، وتنوعت أساليبه، وتعددت أغراضه، وكان لذلك ما يبرره من وجهة نظر بيئية وحضارية، بعد تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية في هذا العصر، كما كان لاضطراب الحياة السياسية فيه اكبر الأثر في تعميق هذا الاتجاه، وتلوينه بألوان الرمز والكناية والتعريض، أو التعبير من خلاله عن النزعة السلبية إزاء أمور الحكم والسياسة ورجالها، والانصراف نحو عالم الطير والحيوان في الوصف والمديح والهجاء أو الرثاء الذي يمكن أن يعد من أهم هذه الأغراض، وأقواها تعبيرًا عن هذه التحولات الجديدة. ... قد كان أغنائي عن العُقاب
ومن أوائل ما نقف عليه من الأشعار في رثاء الحيوان في هذا العصر أرجوزة لأبي نواس في رثاء كلبه خلاّب، وقد لسعته حية رقطاء، فمات لديغًا مسمومًا، فقال يذكر مصرعه ويرثيه (13) :
يا بؤس كلبي سيد الكلاب
يا عين جودي لي على خلاَّب ... من للظباء العفر والذئاب
خرجت والدنيا إلى تباب ... به وكان عدّتي ونابي
فبينما نحن به في الغاب ... إذ برزت كالحة الأنياب
رقشاء جرداء من الثياب ... لم ترع لي حقًا ولم تحابي
فخرّ وانصاعت بلا ارتياب ... كأنما تنفخ في جراب
لا أبت أن أبت بلا عقاب ... حتى تذوقي أوجع العذاب