فهرس الكتاب

الصفحة 9256 من 23694

ولطالما وجد الشاعر في موت الحيوان وهلاكه أو مصرعه الأسوة والعزاء والسلوان لنفسه الحزينة، وهو يفقد صديقًا أو قريبًا أو حبيبًا تخطفه الموت أو القتل، فيبكي عليه ويرثيه، ويقرن ذلك الرثاء بذكر الحيوان، ويستخلص الدروس والعبر، شأن أبي ذؤيب الهذلي في عينيته الشهيرة التي رثى بها أبناءه الخمسة الذين أودى بهم الموت جميعًا، فراح يبكيهم، ويجمع في رثائهم ما بين مصرعهم ومصارع الحيوان أو الإنسان فيقول (7) : ... والدهر ليس بمعتب من يجزع

أمن المنون وريبها تتوجع

أودى بنيّ فأعقبوني غصة ... بعد الرقاد وعبرة لا تقلع

والدهر لا يبقى على حدثانه ... جون السراة له جدائد أربع

والدهر لا يبقى على حدثانه ... شبب أفزّته الكلاب مروّع

شعف الكلاب الضاريات فؤاده ... فإذا رأى الصبح المصدق يفزع

فصرعنه تحت الغبار وجنبه ... متترّب، ولكل جنب مصرع

والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع

فإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

وكان جهم بن خلف المازني، من شعراء الدولتين، مختصًا بالحيوان والطير في شعره (8) يصفها ويتغزل بها، ويبكي لبكائها، ويرثي لحالها، ويجد في ذلك العزاء والتسلية عما يجد في دنياه من المآسي، ومن ذلك قصيدة رقيقة له في حمامة أضلت فريخًا لها، فراحت تجدّ في البحث عنه دونما جدوى، حتى بدا لها اليأس منه، وأيقنت أن جوارح الطير قد تخطفته فأكلته، فراحت تنوح عليه وتبكيه، وتستدر دموع الشاعر فيها، فقال يشاركها أحزانها، ويصف هذا الموقف المؤثر وصفًا بارعًا يثير المواجع في النفوس الرهيفة (9) : ... طروب العشي هتوف الضحى

وقد شاقني نوح قمرية

أضلت فريخًا فطافت له ... وقد علقته حبال الردى

فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه وماذا يردّ البكا

تغنَّت عليه بلحن لها ... يهيج للصب ما قد مضى

فلم أر باكية مثلها ... تبكِّي ودمعتها لا ترى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت