وقد أغنى الإعراب أن يلتزموا في التركيب تقديم فاعل أو تأخير مفعول، فاتسعوا في الكلام وتصرّفوا فيه بتقديم وتأخير، فضمنوا بذلك حسن الأداء ودقة التعبير واستجابوا بهذا لضرورات الشعر والسجع، ولو لم يطلقوا العنان لتصرّفهم هذا، إذا لم يستجيزوا التقديم والتأخير في كل موضع. ونجم عن هذا، على كل حال، أنه لم يُغنهم في الكشف عن المعاني النحوية لزوم الرتبة بتقديم الفاعل وتأخير المفعول، كما توجبه اللغات غير المعربة.
وانفرد الكوفيون فأضافوا في تعليل إعراب الاسم إلى اختلاف معانيه النحوية في التركيب، اختلاف معانيه اللغوية في الأصل، قبل التركيب.
وهكذا قال النحاة بإعراب المضارع مالم تتصل به نون التوكيد المباشرة أو نون النسوة، وعللوا إعرابه باختلاف المعاني عليه، كما اختلفت على الأسماء، فثمة فارق في المعنى بين المضارع مرفوعًا ومجزومًا ومنصوبًا. وقد استوجب اختلاف المعاني اختلاف الحركات واختلاف الأداة، وهكذا أتت حركة الإعراب لتنبه على المعنى الذي حملته الأداة.
وهكذا قسّم الكوفيون الفعل إلى ماض ومستقبل، ولم يجعلوا الأمر قسيمًا لهما، فهل جعلوا للماضي والمستقبل قسيمًا آخر؟ أقول ذكر الكوفيون (الفعل الدائم) وجعلوه هذا القسيم، فما الذي عنوه بالفعل الدائم؟ لم يعنِ الكوفيون بالفعل الدائم ما ذهب إليه الزجاجي من أنه الفعل الحاضر، وإنما عنوا بهذه التسمية (اسم الفاعل) . فكيف تصور الكوفيون اسم الفاعل فعلًا ولم أسموه الفعل الدائم؟...
*الكوفيون والفعل الدائم:
أقول قد أسمى الكوفيون (اسم الفاعل) فعلًا لأنه يعمل عمل فعله، وهذا معروف متفق عليه، وهو عند جمهور النحاة شبه الفعل. وأسمى الكوفيون اسم الفاعل فعلًا دائمًا، لاشتمال دلالته على الحال والاستقبال حينًا، والماضي حينًا آخر، ولكن متى يدل (اسم الفاعل) على الحال أو الاستقبال، أو يدل على الماضي.